ولد يسري علي الجندي في الخامس من فبراير عام 1942 بمحافظة دمياط، ونشأ في بيئة مصرية أثرت في وجدانه ورسخت اهتمامه المبكر بالحكايات الشعبية والسير التراثية، وهو الشغف الذي تحول لاحقا إلى الركيزة الأساسية لمشروعه الإبداعي، التحق بمعهد المعلمين بدمياط، الذي مثل محطة مهمة في تكوينه، قبل أن يواصل مسيرته التعليمية ويحصل على بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة عام 1977.
ومع أواخر ستينيات القرن الماضي بدأ حضوره الفعلي على الساحة الثقافية؛ ففي عام 1969 لفت الأنظار بحصوله على جائزتي التأليف المسرحي والنقد في مؤتمر الأدباء الشبان بمصر، كما نال جائزة النقد عن فصول من كتابه" ملاحظات نحو تراجيديا معاصرة"، الذي قدم فيه تصورا لتراجيديا تنبع من الواقع العربي.
مثلت تلك الجوائز إعلانا مبكرا عن كاتب يسعى إلى تأسيس رؤية فكرية للمسرح، تقوم على استلهام التراث وإعادة صياغته في سياق معاصر، واستهل مسيرته المسرحية بعدة نصوص لاقت صدى ملحوظا، منها" بغل البلدية" 1969، و" حكاية جحا مع الواد قلة" 1970، وجاءت الانطلاقة الأبرز مع مسرحية" اليهودي التائه" عام 1977، التي عرضت بمسرح الحكيم ثم أوقفت، قبل أن تعود لاحقا بأسماء مختلفة مثل" القضية 88" و" السيرك الدولي" و" القضية 2007"، في تجربة عكست طبيعة نصوصه المثيرة للجدل.
توالت أعماله المسرحية بعد ذلك، ومن أبرزها رابعة العدوية 1980، واقدساه 1985، ملاعيب 1999، عنترة 2009، اللعب مع السادة 2009، وصدرت له أعمال كاملة ضمت 18 مسرحية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كما عرضت في عدد من الدول العربية، ومثلت مصر في مهرجانات دولية، بينها مهرجان قرطاج ومهرجان بغداد.
واختار الاتحاد العام للفنانين العرب مسرحيته" واقدساه" كأول عرض ينتجه الاتحاد، وقدمت في عدة عواصم عربية.
ورغم انحيازه الدائم للمسرح، حقق حضورا لافتا في الدراما التلفزيونية، خاصة في موسم رمضان، من أبرز أعماله: علي الزبيق 1985، شارع المواردي 1990، ألف ليلة وليلة 1993 - 1995، جمهورية زقتى 1997، سامحوني مكنش قصدي 1999، جحا المصري 2002، من أطلق الرصاص على هند علام 2007، سقوط الخلافة 2010، وكان أخر أعماله عين الحياة عام 2019، وارتبط اسمه بشكل خاص بثلاثية" السيرة الهلالية"، التي أعادت تقديم الملحمة الشعبية في صياغة درامية جذبت جمهورا واسعا وجعلت من أبطالها شخصيات قريبة من الواقع المعاصر.
حصد عن أعماله التلفزيونية عددا كبيرا من جوائز مهرجان الإذاعة والتلفزيون، منها جوائز أفضل تأليف عن" السيرة الهلالية"، " جمهورية زفتى"، " جحا المصري"، و" الطارق"، إضافة إلى جوائز عن سهرات وإذاعيات درامية.
وفي السينما، قدم أعمالا عكست اهتمامه بالتراث والبعد الاجتماعي، منها المغنواتي عام 1979 إخراج سيد عيسى، سعد اليتيم 1985 إخراج أشرف فهمي، أيام الرعب 1988 عن قصة جمال الغيطاني وإخراج سعيد مرزوق، ونحب عيشة الحرية 2001 إخراج عادل الأعصر.
تولى الجندي مناصب ثقافية عدة داخل مؤسسات الثقافة المصرية؛ إذ عمل بوزارة الثقافة منذ عام 1970، وتولى إدارة مسرح السامر بالقاهرة عام 1974، ثم إدارة الفرقة المركزية للثقافة الجماهيرية عام 1976، وأصبح مستشارا ثقافيا لرئيس جهاز الثقافة الجماهيرية عام 1982، ثم مديرا عاما للمسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة حتى عام 1996، قبل أن يشغل منصب مستشار رئيس الهيئة للشؤون الفنية والثقافية حتى إحالته للمعاش في 5 فبراير 2002، كما كان عضوا في لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضوا في لجنة الدراما العليا باتحاد الإذاعة والتلفزيون، وأسهم في تأسيس فعاليات ومهرجانات، منها ملتقى القاهرة للمسرح العربي عام 1994.
توجت مسيرته بعدد من الجوائز الرفيعة، أبرزها: جائزة الدولة التشجيعية في المسرح عام 1981، وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في العام نفسه، جائزة الدولة للتفوق في الفنون عام 2005، جائزة أفضل نص مسرحي في ملتقى المسرح العربي 1994، تكريمه في يوم المسرح المصري 1994، تكريم المركز القومي للمسرح في لقاء الرواد 1999، كما ورد اسمه في" الموسوعة القومية للشخصيات المصرية البارزة" تقديرا لإسهامه في خدمة التراث الشعبي ودعم مسرح الثقافة الجماهيرية.
لم تخل مسيرته من الجدل، إذ تعرض لانتقادات من رابطة مكافحة التشهير اليهودية على خلفية كتابته مسلسل" خيبر"، الذي اعتبرت الرابطة أنه يتناول أحداثا تاريخية بصورة تؤجج الكراهية، بينما أكد في أحاديثه أن انشغاله الأساسي كان بقضايا الهوية والتاريخ والصراع الحضاري من منظور عربي.
على الصعيد الشخصي، كان متزوجا وله ابنان؛ الأكبر يعمل صحفيا والأصغر مهندسا، وظل معتزا بانتمائه إلى دمياط، ومؤمنا بأن قضيته الفنية الأساسية هي" قضية الفرد والجماعة"، إذ رأى أن أزمة المجتمع تكمن في انتظار البطل المنقذ بدلا من تحمل المسؤولية الجماعية، وفي مجمل كتاباته حرص على الحفاظ على الثوابت المصرية والعربية، مع البحث الدائم عن الشخصية المصرية بكل تناقضاتها.
في 9 مارس 2022 غيب الموت يسري الجندي، عن عمر ناهز 80 عاما بعد صراع مع المرض، وورى الثرى بمقابر الشيخ زايد بمدينة السادس من أكتوبر، وقد نعته شخصيات ثقافية وفنية عديدة، فيما أكدت وزارة الثقافة أن أعماله ستبقى علامات بارزة في الإبداع المصري والعربي، وبرحيله غاب الجسد، لكن لم ينه الحكاية؛ فمع كل عرض لأعماله يتجدد حضوره كحكاء أعاد للتراث نبضه، وجعل من المسرح منبرا، ليبقى اسمه محفورا في ذاكرة المسرح العربي، مؤمنا بأن الفن موقف، وأن استدعاء الماضي وسيلة لفهم الحاضر وصناعة المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك