عندما شعرت أسرة الحو، في قرية كفر أبوجندى مركز قطور محافظة الغربية، بالميول الفنية لدى الشابة الجميلة بهيجة جمالات (وهذا هو اسمها الحقيقى) قررت على الفور تزويجها لأول عريس يطرق باب أسرتها، حماية لها من تلك الميول، لا سيما بعد أن أفلت منها الابن الأكبر محمد فوزي وأصبح أحد أهم الأسماء الموجودة على الساحة الغنائية منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي، وكان محمد فوزي نفسه رغم احترافه الغناء والتمثيل وامتلاكه منذ عام 1947 لشركة إنتاج سينمائى من أشد المعارضين لعمل شقيقته بالفن، ولذلك رحب الموسيقار المعروف بزواج شقيقته وهي في هذه السن الصغيرة.
لكن تلك الزيجة لم تدم طويلاً، وبعدها قررت الفتاة فرض الأمر الواقع على أسرتها وعلى شقيقها تحديداً، فتقدمت للجنة الإذاعة كي تعتمدها مطربة لها أغنياتها الخاصة التي تنتجها لها الإذاعة المصرية، وقت أن كانت تتولى أمر الإنتاج الغنائي، وبالفعل نجحت المطربة الشابة، وأصبح اسمها منذ ذلك الوقت هدى سلطان، ومن ميكروفون الإذاعة إلى شاشة السينما، حيث اختارها المخرج نيازى مصطفى لتشارك في فيلم «ست الحسن» سنة 1950 أمام ليلى فوزي وفريد شوقي، فثارت ثورة الأسرة، وقرر محمد فوزى مقاطعة شقيقته، ومع ذلك أصرت على المضي قدماً في مشوارها الفني.
في هذه الأثناء أقامت هدى سلطان بمفردها بشقة في مصر الجديدة، قبل أن يمتد إليها العمران وتصبح من أكثر مناطق القاهرة ازدحاماً، وفي هذه الشقة حدث لها هذا الموقف قبل سحور أحد أيام شهر رمضان المبارك.
تقول هدى سلطان لمجلة الكواكب في الثانى من أبريل 1957 إنها كلما سمعت مدفع السحور (تقصد الإمساك) تتذكر هذه الواقعة، وتستعيد حالة الرعب التي عاشتها ليلتها رغم أنها الآن تنظر إليها بشىء من الطرافة، فقد كانت في تلك الأيام تقيم بمفردها في شقتها بضاحية مصر الجديدة، وتستكمل تفاصيل الواقعة قائلة:
«بعد أن مضى شهران على إقامتى في هذا البيت حل شهر رمضان المبارك، وفي ذات ليلة سمعت أصوات حركات غير عادية في داخل المنزل، ولم يكن يقيم معى فيه أحد، إذ كانت الخادمة تذهب إلى منزلها بعد الإفطار مباشرة، وجعلت أصغى في خوف وحذر، فسمعت أصوات سقوط قطع الأثاث وهي ترتطم بأجسام، فتأكدت من أن اللصوص تسللوا إلى المنزل، وداخلنى الرعب والفزع، فماذا عساى أن أعمل وأنا وحدى في المنزل؟وفجأة سمعت طرقات على باب حجرة نومى، فما وسعنى إلا أن أنتزع قطعة رخام المنضدة الصغيرة وأتسلح بها، ثم أضأت النور وسألت عن الطارق فلم يجبنى أحد، فصرخت من أعماق صدرى لعل الجيران يخفون إلى نجدتى وإلى إنقاذى من هذا اللص، الذي جاء ليستأذن منى في السرقة.
وعندئذ سمعت صوتاً نسائياً يقول: ما تخافیش یا ست ما تخافيش، وفتحت باب الحجرة فإذا بخادمة الجيران واقفة أمامى، ولما سألتها عن سبب حضورها في هذه اللحظة وكيف دخلت المنزل، فأخبرتنى أن خادمتى عندما عرفت أننى نمت بالأمس دون سحور أوصتها بأن تحاول إيقاظی وقت السحور، وأعطتها مفتاح المنزل، وقد نفذت الوصية وكادت تتعرض لما لا تحمد عقباه».
وحكت هدى سلطان هذه الواقعة مرة أخرى لمجلة الجيل بعد عامين، وأضافت إليها أنها منذ تلك الليلة أصبحت لا تفضل الإقامة بمفردها في المنزل، وكان هذا من بين الأسباب التي جعلتها تتزوج سريعاً من الفنان فريد شوقى، الذي كان وش السعد عليها حسب تعبيرها في ذلك الحين، فقد اقتنعت أسرتها بصحة قرارها وبموهبتها، ورضى عنها شقيقها محمد فوزى، وحدث الصلح بينهما بترتيب من زوجته في ذلك الوقت مديحة يسرى، وقال محمد فوزى جملته الشهيرة بخفة دمه المعهودة: لقد أصبحت هدى في حماية وحش الشاشة بنفسه، فأنتج من أجلها فيلم «فتوات الحسينية» بمشاركة ملك الترسو دون أن يمثل فوزى فيه، وقدم لها على مدى مشوارها الغنائى مجموعة من أنجح أغنياتها التي أحبها الناس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك