يُعدُّ كتاب: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للإمام الحافظ القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليَحصُبى من الكتب العظيمة المتعلقة بجناب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نال شهرة عظيمة منذ تصنيفه وإلى يومنا هذا، ولقى عناية كبيرة من علماء هذه الأمة شرحاً وقراءة وتعظيماً، ويُعتبر من الكتب التي حازت شهرة عظيمة وكتب الله له القبول التام والحظ الأكبر من تعلق الأمة به.
أما مؤلفه فهو أحد أعلام قضاة المالكية في الأندلس والمغرب، فقد ولد سنة 476هـ بمدينة سبتة الواقعة قبالة مضيق جبل طارق، ونزل في قرطبة ودرس على علمائها مثل ابن الحاج وابن رشد، وجلس للتدريس وولى القضاء في سبتة سنة 515هـ ثم ولى قضاء غرناطة سنة 531هـ.
قال عنه رفيقه الفقيه محمد بن حمادة السبتى كما نقله الذهبي في تاريخ الإسلام 11/860: «جلس للمناظرة وله نحو من ثمانٍ وعشرين سنة، وولى القضاء وله خمس وثلاثون سنة فسار بأحسن سيرة».
أما كتابه الشفا، فلا نُبالغ إذا قلنا إنه أحد كتب الإسلام والمسلمين، لما ناله من شهرة عظيمة وعناية فائقة من جميع الفقهاء والمحدثين من أمة الإسلام، يقول الإمام القسطلانى في كتابه المواهب اللدنية 2/434: «وكل من صنف في شىء من المنح النبوية، والمناقب المحمدية، لا يستغنى عن استجناء معارف اللطائف من رياض عياض، والاستشفاء من أدواء المشكلات بدواء شفائه المبرئ لمعضل الأمراض، فالله تعالى يفيض عليه وعلى سائر علماء هذه الأمة سِجال رحمته ورضوانه، ويسكننا معهم في بحبوبة جنانه».
وموضوع كتاب «الشفا» للقاضى عياض هو الشمائل النبوية، لكن القاضى لم يسِر على منوال من سبقوه ممن كتبوا في الشمائل والسيرة والنبوة من نحو ذكر إرهاصات النبوة والنشأة والبعثة والمعجزات وما يتعلق بأمهات المؤمنين ونحو ذلك، وإنما اتخذ القاضى عياض طريقة مختلفة فقال في مقدمة كتابه موضحاً منهجه قائلاً: «فإنكَ كررت على السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وما يجب له من توقير وإكرام، وما حكم من لم يوفِّ واجب عظيم القدر، أو قصّر في حقّ منصبه الجليل قلامة ظفر، وأن أجمع لك ما لأسلافنا وأئمتنا في ذلك من مقال، وأبينه بتنزيل صور وأمثال».
وقال القاضى عياض عن القسم الثالث: «وهذا القسم أكرمك الله هو سر الكتاب، ولباب ثمرة هذه الأبواب وما قبله له كالقواعد والتمهيدات والدلائل على ما نورده فيه من النكت البينات وهو الحاكم على ما بعده والمنجز من غرض هذا التأليف وعده، وعند التقصى لموعدته والتفصّى عن عهدته، يَشرَقُ صدر العدوّ اللعين، ويُشرِقُ قلب المؤمن باليقين، وتملأ أنواره جوانح صدره، ويقدر العاقل النبى حق قدره».
وبذلك تكون موضوعات الكتاب قد وفّت بعنوانه: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» فقد أوفى القاضى رحمه الله بكل ما يخص حقوق المصطفى وذكرها مدللاً عليها من القرآن الكريم والسنة النبوية، وأقوال العلماء من سائر المذاهب، فجزاه الله عنا كل خير، وبلغه شفاعة سيدنا المصطفى صلى عليه وسلم يوم القيامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك