رغم تمركز الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في الشرق الأوسط، إلا أن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة، وفي مقدمتها أفريقيا، التي تجد نفسها متأثرة بتداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية، رغم عدم مشاركتها في صنع القرار المرتبط بهذه الحرب.
ومع تصاعد التوتر، تتجه الحكومات الأفريقية إلى تبني سياسة حذرة تقوم على “التحوط الاستراتيجي”، لتجنب الاصطفاف مع أي من أطراف الصراع، وسط مخاوف من انعكاسات محتملة على الاقتصاد والأمن الإقليمي والتوازنات الدولية في القارة.
ومع اندلاع الحرب اتسمت ردود الفعل الأفريقية بالحذر السياسي حيث دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف إلى ضبط النفس، معرباً عن “قلقه البالغ إزاء التصعيد الخطير في الأعمال العدائية”، لافتاً إلى أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى اضطراب الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وحذرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” من عواقب وخيمة على السلام العالمي وسلاسل الإمداد نتيجة تصاعد عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، يقول الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم إدريس، إن علاقات إيران مع بعض الدول الأفريقية تخلق شبكة معقدة من الحسابات السياسية والاقتصادية، معتبراً أن الحرب تحولت إلى متغير يعيد تشكيل بيئة صنع القرار في أفريقيا ويدفع الدول إلى إعادة تقييم موقعها في خريطة الاصطفافات الدولية.
ونظراً لاعتماد العديد من دولها على استيراد الوقود والسلع الأساسية من إيران، تعد أفريقيا من أكثر المناطق عرضة لتداعيات الحرب، فمع ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوتر في مضيق هرمز، بدأت تكاليف الطاقة والنقل في الارتفاع، ما يهدد بزيادة معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
ويرى بيتر عطارد مونتالتو المدير الإداري لشركة “كروثان” الاستشارية في جنوب أفريقيا، أن “الأزمة الحالية تشكل اختباراً لمعظم الحكومات الأفريقية، متوقعاً أن تؤثر أسعار النفط والغاز المرتفعة في معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة”.
لا تقتصر تداعيات الحرب على قطاع الطاقة، بل تمتد أيضاً إلى حركة التجارة الدولية، فالتوتر المتزايد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يهدد أحد أهم الممرات البحرية التي تعتمد عليها الدول الأفريقية في تجارتها مع آسيا وأوروبا.
وحذر الباحث إبراهيم إدريس من أن التوتر في البحر الأحمر قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التجارة وتعريض الممرات البحرية للخطر، ما يؤثر بشكل مباشر في اقتصادات تعتمد على هذه الطرق مثل إثيوبيا وتنزانيا.
وبحسب إدريس، قد يؤدي اضطراب سلاسل الإمداد إلى تأخير وصول السلع الأساسية والمواد الغذائية إلى الأسواق الأفريقية، الأمر الذي يزيد من احتمالات حدوث أزمات معيشية.
على الصعيد الأمني، يثير اتساع نطاق الحرب مخاوف من انتقال تأثيراتها إلى مناطق قريبة من القارة، ولا سيما في القرن الأفريقي، حيث قد يؤدي التنافس الدولي على الممرات البحرية الاستراتيجية إلى زيادة الوجود العسكري وتحويل بعض الدول الساحلية إلى نقاط تنافس بين القوى الكبرى.
وأشار الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الاستراتيجية في الصومال شافعي يوسف عمر، إلى أن تأثير الحرب “لن يتوقف عند إيران بل سيمتد ليغير خريطة شرق أفريقيا ويخلق كيانات وهمية على الحدود تمهيداً للسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية”، مضيفاً: إن القارة “ليست طرفاً في صنع هذه الحرب لكنها قد تكون من أوائل المتضررين منها”.
تتجاوز آثار الحرب الجوانب الاقتصادية لتطال الأوضاع الاجتماعية والإنسانية، إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء والوقود واضطراب سلاسل الإمداد إلى تفاقم الأزمات المعيشية، وخاصة في دول تعاني أصلاً من الجفاف أو الأزمات الغذائية مثل الصومال.
وبين ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة وتعقيد التوازنات السياسية، تجد الدول الأفريقية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في حماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على استقلالية قرارها السياسي، في وقت تبدو فيه سياسة “التحوط” خياراً واقعياً لتجنب الانجرار إلى صراعات تفوق قدرة القارة على تحمل كلفتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك