فى كل عام يجىء عيد المرأة العالمى لا بوصفه مناسبة احتفالية عابرة، بل بوصفه وقفة إنصاف أمام نصف العالم الذى حمل فى صمت ما كان أفصح من الخطب (أعباء العمل والبيت) بل الوطن أيضا، وإذا كان العالم قد اعتاد أن يحتفى بالمرأة فى الثامن من مارس، فإن الحقيقة أن المرأة لا تنتظر يوما فى التقويم كى تثبت مكانتها؛ فهى، منذ البدء، كانت شريكة الخلق، وصانعة المعنى، وحارسة البقاء، وعندما تشتعل الحروب تكون المرأة حارس السلام.
لقد عايشت المرأة العربية حروبا متتالية عبر عقود، من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن، مرورا بالعراق وتونس ومصر، وفى كل ساحة، لم تكن حاضرة كضحية، بل كفاعلة تاريخية تعيد تشكيل المشهد، وأمام أعيننا أبلغ مثال، المرأة الفلسطينية، فهى الأم التى تربى أبناءها تحت ركام من الأنقاض فى غزة، هى الزوجة التى تدير المنزل بلا دخل، وتُعيل عائلتها من حرفة بسيطة، وهى الأخت التى تعلم أخواتها الصغار فى خيمة، لأن المدرسة قد دُمرت، وهى الصحفية أو الناشطة التى تخرج إلى الميدان بجرأة، تُوثّق الجرائم، وتنقل صوت الشعب للعالم، بينما تهددها الرصاصات والاعتقالات، وفى كل زمان ومكان، تعيد المرأة تعريف «القوة»، فهى لا تحمل السلاح عادة، لكنها تحمل الأمل بلا استسلام، ففى ساحات أخرى من المعارك، أكثر صمتا لكن ربما أشد قسوة، تدور رحاها فى الشوارع والبيوت، تحت وطأة أنظمة تتغذى على قمع الحريات، وهنا، يبرز اسم «جينا مهسا أمينى» ليس كحادثة فردية، بل كرمز موجع لمحن المرأة فى كل مكان، وهى شابة أُزهقت روحها بسبب خصلة من شعرها تمردت على مقاييس السلطة، وقضيتها لم تكن قضية حجاب، بل كانت الشرارة التى فضحت صراعا أعمق بين إرادة الحياة ورغبة التحكم، بين حق الإنسان الطبيعى وحريته الشخصية وبين سلطة أيديولوجية تقيد الأرواح قبل الأجساد، فقد أشعلت وفاتها مظاهرات غاضبة اجتاحت إيران كالعاصفة، وعُرفت باسم «حركة مهسا» و«المرأة والحياة والحرية».
وأخيرا، تحية للمرأة العربية، وللمرأة فى كل مكان منكوب، وفى كل قرية منسية، وفى كل مخيم لجوء، وفى كل مستشفى ميدانى، وفى كل وطن يقاوم السقوط.
*نقلاً عن" الأهرام".
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك