تطوف السيدة فاتن بين خيام النازحين، تحمل في يدها صورة ابنها سعد، تسأل الناس بصوت متهدج" هل رأيتم ابناً لي يضحك وحيداً؟ إنه مريض، والمستشفى الذي كان يداويه أصبح تراباً".
على هذه الحال تقضي الأم ساعات طويلة يومياً في البحث عن ابنها الثلاثيني، المصاب بالفصام الحاد.
قبل الحرب، كان مستشفى غزة للأمراض النفسية هو مرساة سعد (اسم مستعار، حيث تم استبدال الأسماء الحقيقية لصون الكرامة الإنسانية) يقيم فيه لأيام كلما تأثر بالفصام الحاد، وعلى أسرته القليلة يتلقى حقنته الشهرية المهدئة التي تجعله يبتسم لأمه وينام من دون سماع أصوات تأمره بإيذاء نفسه.
لكن عندما قصف الجيش الإسرائيلي مستشفى غزة للطب النفسي، وهو المرفق الحكومي الوحيد المتخصص في الصحة النفسية، ودمرت الغارات مبانيه ومرافقه الحيوية مما أدى إلى خروجه عن الخدمة تماماً، وجد سعد نفسه فجأة وسط آلاف النازحين في مخيم إيواء لا يجد فيه سريراً ولا طبيباً ولا دواء.
انهار عقل سعد كما انهارت الجدران الأسمنتية لمستشفى الطب النفسي، وفي ليالي النزوح القاسية وبينما كان الجيش الإسرائيلي يقصف غزة بعنف أيقظت الانفجارات في رأسه أصواتاً أخرى أشد رعباً، خرج من خيمته وبدأ يصرخ وسط الخيام المزدحمة ويمزق ملابسه ويحاول الركض نحو الجيش الإسرائيلي ظناً منه أن هناك من يناديه.
أمه المسنة فاتن التي نخر التعب عظامها فكانت تحاول إيقافه وهي تبكي وتولول عليه" اهدأ، هذا صوت الطائرات"، لكن سعد لم يكن يراها، كان في عالم آخر مظلم تماماً ويحتاج إلى جرعة مهدئ أو غرفة منعزلة توفرها له المستشفى ولا يجد شيئاً.
ربط إخوته يديه بقطعة قماش في زاوية الخيمة لحمايته من نفسه ومن هجمات الذعر التي كانت تدفعه لضرب رأسه بالأوتاد الحديدية، كان مشهداً يمزق القلوب، وعندما نام الجميع هرب سعد من خيمته وضاع في زحام النازحين، تعلق والدته" لم يكن خطراً لأنه شرير، بل لأنه مريض جرد من كرامته الطبية".
ترك خروج مستشفى غزة للأمراض النفسية مرضى خطرين من دون مأوى أو رعاية طبية متخصصة، إذ كان المستشفى يؤوي حالات تتطلب مراقبة وعلاجاً دوائياً مكثفاً، وأدى التدمير إلى ضياع السجلات الطبية للمرضى ونقص حاد في الأدوية النفسية التخصصية التي كان المستشفى مخزناً أساسياً لها، والأخطر من ذلك انهارت منظومة الدعم النفسي في وقت يعاني سكان غزة صدمات هائلة.
في المرفق النفسي الوحيد بغزة، وكان هناك 44 سريراً مخصصاً للمرضى الذين يحتاجون إلى إقامة كاملة ورقابة طبية مكثفة أمثال الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية حادة، ويعمل به طاقم متخصص يتكون من 39 موظفاً، بينهم 16 طبيباً و26 متخصصاً نفسياً.
ونظراً إلى كونه المرفق الوحيد، كان الأطباء في عياداتهم الخارجية يستقبلون يومياً ما يصل إلى 100 مريض لكل طبيب، وهو عبء عمل هائل يعكس حجم الاحتياج في القطاع، ويقدمون الرعاية المطولة للرجال والنساء، ويعالجون الاضطرابات الذهانية الحادة (الفصام والاضطراب ثنائي القطب والذهان الحاد الذي يتطلب تدخلاً دوائياً دقيقاً)، ويعالجون حالات الإدمان، وفق برامج متخصصة للتعافي، ومن أكثر الأشياء أهمية في المرفق الصحي أنه كان يشكل مستودعاً للأدوية التخصصية ومثبتات المزاج التي يصعب الحصول عليها في الصيدليات الخاصة.
يقول المدير العام لوزارة الصحة في غزة منير البرش إن" تدمير مستشفى الطب النفسي يترك المرضى الأكثر ضعفاً من دون أية شبكة أمان طبي، ومن الآثار التي ترتبت على ذلك أن هناك مرضى خطرين في الشوارع أو داخل مراكز النزوح المكتظة يفتقرون إلى الأدوية النفسية التخصصية التي نفدت تماماً، مما يهدد حياتهم وحياة المحيطين بهم نتيجة غياب الرقابة الطبية".
ويضيف" فقد مرضى الفصام والاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب الذهاني الرعاية، وانهار نظام العلاج الدوائي المنقذ للعقل، لقد جاء ذلك في وقت قفزت معدلات اضطراب ما بعد الصدمة لتطاول نحو مليوني نسمة من سكان القطاع، وبسبب تدمير المستشفى ارتفعت محاولات الانتحار نتيجة فقدان الأمل والغياب الكامل لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي".
ويوضح البرش أن المستشفى هو المكان الوحيد الذي يستقبل حالات الانتحار أو العدوانية الشديدة، وبغيابه لم نعد قادرين على احتواء الأشخاص الذين يمرون بانهيار عصبي حاد نتيجة أهوال الحرب، وانقطاع الخدمات هذا تسبب في كارثة إنسانية تطاول الاستقرار الاجتماعي والنفسي لآلاف العائلات الذين تحول العبء عليهم مع تلاشي الخط الدفاعي، إذ اضطرت العائلات المنهكة إلى التعامل مع حالات نفسية معقدة وخطرة داخل الخيام ومن دون أدوية مما جعلهم يعيشون في حال من الرعب الدائم.
من بين الحالات التي تأثرت بسبب غياب مستشفى غزة للأمراض النفسية، الطفلة زينة (اسم مستعار، تم إخفاء الاسم الحقيقي بناء على طلب أهل المريضة) التي رأت بعينيها الصغيرتين والديها وإخوتها وهم يتحولون إلى أشلاء تحت الركام في قصف إسرائيلي.
منذ تلك اللحظة، توقف زمن زينة التي تعيش حالياً مع جدتها، لم تعد تبكي ولا تصرخ، حتى الأكل لا تطلبه، أصبحت مثل تمثال شمعي إذا رفعت جدتها يدها تظل معلقة في الهواء لساعات من دون حراك، وتجلس دائماً في زاوية مظلمة من خيمة نزوحها وعيناها الواسعتان جامدتان كزجاج مكسور تنظران إلى الفراغ من دون أن ترف.
يسمى الأطباء حال زينة بالجمود النفسي أو الكاتاتونيا، وفي الظروف الطبيعية كان مكانها هو مستشفى الطب النفسي، إذ يتوفر العلاج المتخصص الذي يمكنه فك قفل هذا الجمود وإعادة الحياة لأعصابها، لكن الخيمة ليست مكاناً لكسر هذا الصمت، لذلك هي سجينة داخل جسدها بانتظار معجزة طبية أو مستشفى بات ركاماً وحجارة متناثرة.
قضت إسرائيل على مستشفى غزة للأمراض النفسية في الوقت الذي يحتاج إليه نحو مليوني نسمة تعرضوا لصدمات نفسية شديدة في الحرب، يقول مدير دائرة التخطيط وتطوير الصحة النفسية بوزارة الصحة هشام المدلل" الأرقام التفصيلية تشير إلى مستويات مرعبة من الاحتياج النفسي".
ويشرح" قبل الحرب كان هناك نحو 485 ألف شخص يعانون اضطرابات نفسية، لكن اليوم هناك مليون طفل في غزة، أي جميع الأطفال تقريباً، بحاجة الآن إلى دعم نفسي واجتماعي عاجل نتيجة الصدمات المتكررة، ونحو نصف السكان تتطور لديهم اضطرابات ما بعد الصدمة، وتفوق أعداد المحتاجين إلى الدعم قدرة المنظومة الصحية المنهارة بأضعاف مضاعفة".
ويضيف المدلل" هذه الحرب على عكس الحروب الأخرى، إذ ما زالت الصدمة مستمرة يومياً، ولا مكان آمناً ولا توقف للقصف مما يحرم الدماغ من فرصة بدء عملية التعافي، كما ظهرت أعراض حادة بين الأطفال مثل التبول اللاإرادي والصرع النفسي والتلعثم المفاجئ والجمود والكاتاتونيا، وهذا غير معزول عن الاحتراق النفسي للكوادر، فالأطباء أنفسهم يعانون انهيارات نفسية".
تعمل المنظمات الدولية في ظروف معقدة للغاية لدعم الغزيين نفسياً، إذ جرى تأسيس وحدات دعم نفسي طارئ في المستشفيات الميدانية، وتأسيس نظام العيادات المتنقلة في مراكز الإيواء، وتفعيل القوائم الموحدة للأدوية النفسية عبر المعابر، لكن هذه المحاولات لا تجدي نفعاً.
يوضح المدلل أن التحديات التي تعوق هذه الجهود هي الكميات غير الكافية من الأدوية التي تدخل غزة ولا تغطي 10 في المئة من الاحتياج الفعلي، وهذا يعني أن هناك 90 في المئة من الأدوية النفسية الأساسية مفقودة، مما يؤدي إلى تمزق في النسيج النفسي الجماعي، إذ يعيش السكان في حال تأهب عصبي قصوى لا تنتهي.
تبرر إسرائيل تدمير مستشفى الطب النفسي بالذرائع نفسها التي تستخدمها دائماً، يقول متحدث الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني إن حركة" حماس" تستخدم المستشفيات كمراكز للقيادة والسيطرة وإدارة العمليات العسكرية، وهناك أنفاق ومخازن أسلحة تحت أو داخل هذه المرافق، مما يفقدها الحماية القانونية المقررة للمنشآت الطبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك