ما إن أعلن استقلال الجزائر سنة 1962، حتى أعلنت عائلة مكاحلية، ببلدية بوخضرة المنجمية في ولاية تبسة، ختم ابنها صالح، القرآن الكريم في نفس اليوم، بعد مسيرة قضاها بين قرية مسيد وبوخضرة ومدينة الكاف التونسية، وقد كانت الفرحة فرحتين، فرحة التمكن من الكتاب العزيز، وفرحة التخلص من نير المحتل، خاصة وأن الوالد رحمه الله كان رئيس مركز المجاهدين بالمنطقة، ولم يقصر في حق ابنه الذي بدت عليه علامات النبوغ وقوة الحافظة والذكاء الخارق.
ظروف الاستعمار والوضع الاجتماعي البائس حتم عليه أن يبقى بمسقط رأسه، ثم هاجر إلى تونس، إذ وبعد ولادته نهاية الأربعينيات، وبعد تضييق المحتل على المنطقة ومطاردة كل من تشتم فيه رائحة الولاء للثورة والمجاهدين، قرر الوالد الهجرة إلى تونس والفرار بابنه الذي لم يتجاوز سن ثماني سنوات، وهو حافظ لعدد معتبر من سور القرٱن الكريم، وبعد أن رتب الإقامة بمدينة الكاف، قرر والده رغم انشغاله بالثورة وعلاقته بالمجاهدين، أن يواصل ابنه مرحلة التعليم حيث أخذ ابنه الأكبر، وتوجه به إلى زاوية بالمدينة المذكورة، فتمكن من الإحاطة بمختلف المعارف الفقهية والعلوم الشرعية، إلى أن حفظ القران الكريم على رواية ورش حفظا جيدا.
وقد عرض القرآن أربع مرات كما يقول في أولى أيام فجر الاستقلال، وهذا على يد مشايخ زاوية الكاف، وبعد العودة إلى أرض الوطن سنة 1967م، لتكون الوجهة برفقة الشيخ حمودة من أبناء المنطقة إلى معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة حيث تتلمذ على يد المفتي الراحل، الشيخ مرزوق، وهو إمام مسجد وأحد تلامذة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وفي هذه الفترة بدأت التوجهات إلى الخطابة تبرز لدى الشيخ إذ عاد إلى بوخضرة مسقط رأسه وهذا سنة 1970م.
وكما قال للشروق: بقيت عاكفا على قراءة القرآن والتدبر في معانيه ومطالعة بعض المتون الميسرة آنذاك، رغم قلتها، وفي سنة 1972م ونظرا للثقة التي نحظى بها، تم تعييني من طرف الشيخ عبد الحفيظ عشي معلما بمدينة ميلة، مسقط رأس الشيخ مبارك الميلي، لكن الشيخ عز الدين عباسي وحاجة الناس إلى إمام بمسقط رأسي، قام بتعييني إماما بمسجد بلال بن رباح ببوخضرة، وهذا يوم الجمعة 19 سبتمبر 1973م، حيث كانت لي أول خطبة وصلاة كإمام بصفة رسمية بالمسجد، وكنت ما أن تنتهي الصلاة حتى يلتف حولي المصلون ويشكروني على الخطبة والفصاحة والجرأة التي ظهرت بها، وبعدها يقول الشيخ صالح، كانت لي الفرصة لمتابعة التكوين حيث تنقلت إلى الجزائر العاصمة، فتكونت بمعهد مفتاح (تتبع ولاية البليدة حاليا) في مختلف المعارف الشرعية لمدة سنتين، وهذا سنة 1974م على يد المشايخ، أحمد حماني، الشيخ محمد كتو، والشيخ عوادي مبروك، والدكتور شرفي الرفاعي- رحمة الله عليهم أجمعين-، لتتاح لي الفرصة مرة أخرى في إطار التكوين بمعهد عقبة بن نافع ببسكرة، وهذا سنتي 1983/ 1984.
وبعد العودة إلى بوخضرة، يتابع الشيخ، ونظرا لعلاقتي الجيدة ببعض أهالي بولحاف الدير وخاصة الحاج نبّه- رحمة الله عليه- مؤسس مسجد الإمام مالك، تنقلت لمدة سنتين لأداء صلاة الجمعة، كما كان لي خطب وجمعات بمسجد أبي عبيدة بن الجراح بالبلدية ذاتها، حيث يمتلئ المسجد عن آخره، لأجد نفسي بعدها بمسجد سلمان الفارسي، وهو آنذاك من أكبر المساجد بعاصمة الولاية، وهو المسجد الذي فتح للشيخ آفاقا واسعة من خلال خطبة الجمعة والدروس الليلية وصلاة التراويح، حيث كان المسجد يعج بالحضور من مختلف أنحاء المدينة، كما كان له في تلك الفترة دور فعال في تحفيظ القرآن الكريم للأطفال.
وفي سنة 1987م تم ترقيته إلى مدير الشؤون الدينية التي كانت تعرف باسم ناظر الشؤون الدينية، حيث تولى المنصب لمدة 3 سنوات وعلى الرغم من ذلك لم يفارق المنبر والمحراب وعرفت مرحلته الإدارية أياما تكوينية للأمة والخطباء بحضور مديري مركزين والذين أشادوا بدور الشيخ إداريا ودينيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك