في زمن تتعدد فيه وسائل تعلّم القرآن الكريم وتنتشر تطبيقات التلاوة والتعليم عبر الإنترنت، يتجدد النقاش حول الطريق الأمثل لإتقان قراءة كتاب الله كما تلقاه المسلمون جيلا بعد جيل، بين المشافهة المباشرة مع الشيوخ والوسائل الحديثة والمسابقات القرآنية.
وفي حلقة من برنامج" الشريعة والحياة في رمضان" على منصة الجزيرة 360، تناول شيخ قراء بيروت وإمام المسجد العمري الكبير الشيخ محمود عكاوي تاريخ تعليم القرآن الكريم وطرقه، مؤكدا أن الإتقان الحقيقي للتلاوة ظل قائما عبر القرون على المشافهة ومجالسة الشيوخ.
list 1 of 4رحلة شيخ قراء بيروت من أحلام الطيران إلى سماء القرآنlist 2 of 4صحوة أحيت النفوس.
كيف أصبح القرآن منهجا يوميا وإلهاما للأجيال؟list 3 of 4محمد المقرمي: مهندس قرأ القرآن بعقل تحليلي وروح صادقةlist 4 of 4الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في تفسير القرآنوقال عكاوي إن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرص منذ نزول الوحي على أن يتلقى الصحابة القرآن منه مباشرة، كما تلقاه هو من جبريل عليه السلام، فكان الصحابة يحفظون الآيات فور نزولها ويتلقونها عنه قراءة وسماعا.
وأضاف أن النبي لم يكتف بتعليم أصحابه، بل كان أحيانا يستمع إلى قراءتهم، كما حدث عندما طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه من سورة النساء، في مشهد يبرز أهمية التفاعل بين المعلم والمتعلم في تعليم القرآن.
وبيّن أن هذا الأسلوب أسّس لما يُعرف في علوم القراءات بمنهج" العرض والسماع"، حيث يقرأ الطالب على شيخه ويتلقى منه التصحيح، وهو المنهج الذي بقي معتمدا في نقل القرآن عبر الأجيال.
وأشار عكاوي إلى أن الصحابة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- انطلقوا في تعليم القرآن ونشره في الأمصار، فأنشؤوا حلقات تعليم داخل المساجد، لتصبح تلك الحلقات النواة الأولى لمراكز التعليم القرآني.
انتشار الحلقات ونشأت الكتاتيبومع اتساع الدولة الإسلامية، انتشرت حلقات تعليم القرآن في العراق والشام ومصر وغيرها، وبرز عدد من القراء الذين اشتهرت قراءاتهم، مثل نافع المدني وأبي عمرو البصري والكسائي وغيرهم.
ومن تلك الحلقات نشأت الكتاتيب القرآنية التي أصبحت مدارس لتعليم القرآن وعلومه، وأسهمت في تخريج أجيال من العلماء والقراء المتقنين عبر العالم الإسلامي.
وفي حديثه عن العصر الحديث، أشار شيخ قراء بيروت إلى أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أتاحت فرصا جديدة لتعلم القرآن، إذ أصبح بالإمكان القراءة على الشيوخ عبر الإنترنت أو الهاتف.
لكنه شدد على أن هذه الوسائل، رغم فائدتها، لا يمكن أن تعوض المشافهة المباشرة، لأن التلاوة القرآنية لا تعتمد على الصوت فقط، بل على ملاحظة أداء الشيخ وطريقته في النطق والتجويد.
وأوضح الشيخ محمود عكاوي أن مجالسة الشيخ تمنح الطالب خبرة تعليمية وروحية يصعب نقلها عبر الوسائط الرقمية، إذ يتعلم الطالب من حركات الشيخ وأسلوبه وطريقة تصحيحه للأخطاء.
ومع ذلك، يرى عكاوي أن التعلم عن بعد قد يكون مفيدا في بعض الحالات، خاصة لمن يتعذر عليهم الوصول إلى الشيوخ، شريطة أن تكون وسائل الاتصال واضحة ومستقرة تتيح التصحيح الدقيق.
وتوقف ضيف البرنامج عند الدور المتنامي للمسابقات القرآنية في العالم الإسلامي، مؤكدا أنها أصبحت وسيلة مهمة لنشر القرآن وتشجيع الناشئة على حفظه وإتقانه.
وأوضح أن هذه المسابقات تسهم في بناء شخصية المتسابق وتنمية اللغة العربية وتعزيز القيم الأخلاقية، فضلا عن ترسيخ روح التنافس في الخير بين الشباب.
كما لفت إلى أن المسابقات القرآنية الدولية تعكس وحدة الأمة الإسلامية حول كتاب الله، إذ يشارك فيها متسابقون من دول مختلفة، بعضهم لا يتحدث العربية لكنه يتقن قراءة القرآن بإتقان لافت.
لكن عكاوي حذر في المقابل من ظاهرة المبالغة في استخدام المقامات الصوتية أثناء التلاوة، إذ يسعى بعض القراء إلى إرضاء المقام الموسيقي ولو على حساب أحكام التجويد.
وأكد أن تحسين الصوت بالقرآن أمر محمود، لكنه ينبغي أن يظل منضبطا بقواعد التلاوة، لأن تغيير الحركات أو المدود لمجاراة المقام الصوتي قد يؤدي إلى أخطاء في القراءة.
وأشار إلى أن القارئ المتقن هو الذي يوازن بين جمال الصوت وصحة الأداء، مستشهدا بنماذج كبار القراء الذين جمعوا بين حسن الصوت والالتزام الصارم بأحكام التجويد.
وفي ختام الحلقة، دعا الشيخ محمود عكاوي المسلمين إلى تعزيز صلتهم بالقرآن الكريم، والحرص على تلاوته وتدبره، وتشجيع الأبناء على الالتحاق بحلقات التحفيظ ومجالسة القراء المتقنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك