أعادت التطورات الأخيرة في سوق الطاقة العالمية، ولا سيما النقاش داخل الإدارة الأميركية حول تخفيف بعض القيود النفطية على روسيا لتهدئة أسعار النفط، تسليط الضوء مجدداً على منظومة العقوبات التي فرضتها واشنطن على قطاع الطاقة الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أول من أمس الاثنين، إن الولايات المتحدة ستتخلى عن بعض العقوبات المتعلقة بالنفط وسيلة لضمان إمدادات نفطية كافية.
ولم يحدد ترامب تفاصيل هذه العقوبات.
وأصدرت واشنطن الأسبوع الماضي إعفاء مؤقتاً لمدة 30 يوماً يسمح ببيع النفط الروسي العالق حالياً في البحر إلى الهند، وذلك لتخفيف الضغط على سوق النفط العالمية.
وقد يشمل تخفيف العقوبات على روسيا تخفيفاً واسعاً أو خيارات أكثر استهدافاً تسمح لبعض الدول بشراء النفط الروسي دون الخوف من التعرّض لعقوبات أميركية، بحسب" رويترز".
وقالت الوكالة إن تخفيف العقوبات على روسيا قد يؤدي إلى زيادة الإمدادات العالمية من النفط، في وقت تشهد فيه شحنات الخام من المنطقة اضطرابات كبيرة بسبب توسع الحرب، لكنه قد يعقد أيضاً جهود الولايات المتحدة لحرمان روسيا من عائدات النفط التي تمول حربها في أوكرانيا.
وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحافيين، أمس الثلاثاء، إن إمكانية رفع العقوبات الأميركية على النفط الروسي لم تناقش بالتفصيل مع الولايات المتحدة، لكنه أشار إلى أنّ واشنطن تتخذ إجراءات تهدف إلى استقرار أسواق الطاقة.
وجاءت تصريحات بيسكوف بعد يوم من محادثة هاتفية بين بوتين وترامب شهدت، بحسب الكرملين، طرح الرئيس الروسي مقترحات تهدف إلى إنهاء الحرب في المنطقة سريعاً.
وأحجم بيسكوف عن الخوض في تفاصيل هذه المقترحات.
ويأتي الاضطراب في أسواق الطاقة في لحظة حساسة بالنسبة لترامب، الذي سعى إلى إبقاء أسعار الوقود منخفضة، باعتبارها ركناً أساسياً في رسالته الاقتصادية للناخبين.
وقد وصلت أسعار النفط العالمية إلى مستويات لم تسجل منذ منتصف عام 2022، حيث لامست لفترة وجيزة 119 دولاراً للبرميل أول من أمس الاثنين، مع ارتفاع أسعار البنزين والوقود الأخرى منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير/شباط.
وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط والبنزين إلى انتقال التأثير إلى الاقتصاد الأوسع، من خلال رفع تكاليف النقل وأسعار السلع الاستهلاكية.
وقال محللون ومسؤولون في قطاع الطاقة إن البيت الأبيض يمتلك أدوات محدودة ذات تأثير سريع لخفض أسعار النفط، ما لم تتمكن السلطات من إعادة تدفق ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر البحري الضيق بين إيران وسلطنة عُمان الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وفق" رويترز".
وكانت خطة أعلن عنها البيت الأبيض سابقاً لتوفير مرافقة بحرية وغطاء تأميني للناقلات التي تعبر مضيق هرمز قد فشلت حتى الآن في زيادة حركة الشحن بشكل ملحوظ عبر هذا الممر الحيوي.
وقال أحد المصادر، الذي يشارك في المناقشات مع البيت الأبيض: " المشكلة أن الخيارات تتراوح بين محدودة التأثير أو رمزية أو غير حكيمة بشكل عميق".
شكّل النفط الروسي أحد أهم أهداف العقوبات الغربية، نظراً إلى أن عائداته تمثل ركيزة أساسية لتمويل الميزانية الروسية.
وكانت الخطوة الأولى في هذا المسار عندما أعلن الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن في 8 مارس/آذار 2022 حظر استيراد النفط والغاز والفحم الروسي إلى الولايات المتحدة.
وجاء القرار في إطار حزمة من العقوبات الاقتصادية الواسعة التي استهدفت عزل الاقتصاد الروسي بعد بدء الحرب في أوكرانيا.
وأوضح البيت الأبيض أن الهدف من الحظر هو تقليص أحد أهم مصادر الإيرادات التي تعتمد عليها موسكو في تمويل عملياتها العسكرية.
وقبل الحرب كانت واردات النفط الروسية تمثل نحو 8% من إجمالي واردات النفط الأميركية.
أما المرحلة الثانية من العقوبات فجاءت عبر إنشاء آلية سقف سعر النفط الروسي التي أطلقتها الولايات المتحدة، بالتعاون مع دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول 2022.
وتقوم هذه الآلية على السماح باستمرار نقل النفط الروسي باستخدام خدمات الشحن والتأمين الغربية فقط إذا بيع النفط بسعر لا يتجاوز 60 دولاراً للبرميل.
وكان الهدف من هذه السياسة تحقيق توازن دقيق بين هدفين متعارضين: الأول تقليص عائدات روسيا النفطية، والثاني منع حدوث صدمة في الإمدادات العالمية قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار.
وأكدت وزارة الخزانة الأميركية أن سقف السعر يمثل أداة اقتصادية تهدف إلى خفض الإيرادات الروسية من دون إزالة ملايين البراميل من السوق العالمية.
وبالتوازي مع ذلك فرضت الولايات المتحدة سلسلة عقوبات إضافية استهدفت البنية التحتية التجارية التي يعتمد عليها النفط الروسي في الوصول إلى الأسواق العالمية.
فقد شملت العقوبات شركات الشحن التي تنقل النفط الروسي، وشركات التأمين التي توفر التغطية للناقلات، إضافة إلى الوسطاء التجاريين الذين يسهلون عمليات البيع خارج منظومة العقوبات.
كما استهدفت واشنطن عشرات الناقلات المرتبطة بما يعرف بـ" أسطول الظل" الذي تستخدمه روسيا لنقل النفط بعيداً عن منظومة الشحن الغربية التقليدية.
ووفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية، جرى إدراج مئات السفن والشركات على قوائم العقوبات منذ عام 2023 بهدف تضييق الخناق على شبكات النقل التي تساعد موسكو على الالتفاف على القيود الغربية.
كما شملت العقوبات الأميركية قيوداً على التكنولوجيا والاستثمارات في قطاع الطاقة الروسي، في محاولة لإضعاف قدرة موسكو على تطوير إنتاجها النفطي في المستقبل.
فقد فرضت وزارة التجارة الأميركية قيوداً على تصدير المعدات والتقنيات المستخدمة في التنقيب عن النفط في البيئات المعقدة، مثل الحقول البحرية العميقة، ومشروعات القطب الشمالي.
واستهدفت هذه القيود الحد من قدرة الشركات الروسية على تطوير حقول جديدة، أو زيادة الإنتاج في الحقول الحالية، خصوصاً أن قطاع النفط الروسي يعتمد في بعض مراحله على التكنولوجيا الغربية المتقدمة.
أثر العقوبات بالصادرات الروسيةورغم هذه القيود الواسعة، لم تتوقف صادرات النفط الروسية، لكنها شهدت تحولاً جغرافياً كبيراً.
فقبل الحرب كانت أوروبا السوق الرئيسية للنفط الروسي، إذ استوردت الدول الأوروبية أكثر من نصف صادرات روسيا من الخام، غير أن العقوبات الأوروبية والأميركية أدت إلى انهيار هذه التدفقات خلال سنوات قليلة.
وتظهر بيانات" يوروستات" أن حصة روسيا من واردات الاتحاد الأوروبي من النفط البترولي انخفضت من 29% في الربع الأول من عام 2021 إلى نحو 1% فقط في الربع الرابع من عام 2025.
وفي المقابل، وجدت روسيا أسواقاً بديلة في آسيا، ما سمح لها بالحفاظ على مستوى مرتفع نسبياً من الصادرات رغم العقوبات.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن حصة آسيا من صادرات النفط الروسية ارتفعت من 41% في عام 2020 إلى 81% في عام 2024، في حين تراجعت حصة أوروبا إلى نحو 11% فقط.
وهو ما يعني أن الأسواق الآسيوية أصبحت الوجهة الرئيسية للصادرات.
وأصبحت الهند والصين أكبر المستفيدين من هذا التحول في تجارة النفط الروسية.
فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ارتفعت واردات الهند من النفط الروسي من نحو 50 ألف برميل يومياً في عام 2020 إلى نحو 1.
7 مليون برميل يومياً في عام 2024، ما جعلها أكبر مشتر للخام الروسي.
وفي الوقت نفسه استوردت الصين نحو 2.
2 مليون برميل يومياً من النفط الروسي، لتصبح ثاني أكبر سوق له.
ورغم استمرار الصادرات الروسية عند مستويات مرتفعة نسبياً، فإن العقوبات والخصومات السعرية أثرت بشكل واضح في الإيرادات، فقد اضطرت روسيا إلى بيع نفطها بخصومات كبيرة مقارنة بأسعار خام برنت، كما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين نتيجة القيود الغربية.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إيرادات صادرات النفط الروسية تراجعت إلى نحو 11 مليار دولار في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بانخفاض قدره 3.
6 مليارات دولار، مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
كما تظهر البيانات المالية الروسية أن عائدات الطاقة أصبحت أكثر تقلباً تحت تأثير العقوبات والأسعار العالمية.
ووفق بيانات وزارة المالية الروسية فإن إيرادات النفط والغاز الروسية انخفضت 44% على أساس سنوي في فبراير/شباط 2026 لتصل إلى نحو 432.
3 مليار روبل.
ويشير هذا التراجع إلى أن العقوبات، إلى جانب تقلبات الأسعار العالمية، ما زالت تشكل ضغطاً على المالية العامة الروسية، حتى مع استمرار صادرات النفط إلى آسيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك