تقتضي القراءة الموضوعية، لكل معرفة أو ظاهرة، قراءتها ضمن الشرطين، التاريخي والاجتماعي، فضلاً عن الدقة العلمية في تناول المفاهيم والمصطلحات بعيداً عن الهوى واحتقار العقل والتسييس والتضليل.
ومن بين هذه المصطلحات التي تعرضت للهوى والتسييس، مصطلح «معاداة الساميّة» الذي استخدمه أول مرة قبل نحو قرن ونصف، صحفي ألماني مغمور (وليام مارهو، 1818-1904) في كتاب له يحمل عنوان «انتصار اليهودية على الألمانية - من منظور غير ديني».
وقد صدر الكتاب إثر الحرب الفرنسية - البروسية، التي أدت إلى دمار كبير، أصاب البشر وقطاعات المال والأعمال، وشاع وقتها اللوم على الجماعات اليهودية، في ظل تاريخ طويل من «الكراهية المسيحية» للجماعات اليهودية.
وعلى أسس دينية، وتماشياً مع النظريات العرقية التي كانت سائدة خلال القرن التاسع عشر، انتشر هذا المصطلح في أوروبا، وفي إطار انتشار الفكر العنصري، وأدى إلى خلط كبير بدأ بالتمييز بين الآرييّن والسامييّن على أساس لغوي، ثم تطور إلى الحديث عن التفوّق والعبقرية لدى عرقٍ دون آخر.
وتعود تسمية «الســـاميُّون» إلى ســـــام بن نوح الابن الأكـــــبر لسيدنا نوح، ويطلــــق على مجموعة من الشعوب عاشت في رقعة واسعة من الأرض، خاصـــــة في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشــــام وبلاد الرافـــدين، وتشـــمل، تاريخـــياً الأشــــــوريين والبابليين والآراميين والكنعانيين والعمونيين والمؤابيين والأدوميين والعبرانيين وغيرهم، كما يذكر بعض المؤرخين أنها تشمل أيضاً أجزاء من سكان الحبشة.
كانت بين هذه الشعوب روابط عديدة، من ملامح عرقية وروابط لغوية وأنساق اجتماعية، ولها عبادات وطقوس دينية متنوعة، ومن أبرز هذه الشعوب الكنعانيون، وهم ساميّون في العرق واللغة.
وتقاربت كثيراً بعض لغات هذه الشعوب والأقوام، واختلفت اللهجات، وكانت ومازالت اللغة العربية هي أقرب لغات هذه الشعوب إلى «الساميّة» الأصيلة.
تأثر مؤسسو الحركة الصهيونية السياسية بالفكر الأوروبي، أثناء حقبة التوسع الاستعماري للدول الأوروبية الكبرى، وعملوا على تعزيز وإشاعة فكرة «معاداة الساميّة» ذات الصلة بمعاداة الجماعات اليهودية الأوروبية، خاصة إثر محاكمة النقيب اليهودي الفريد دريفوس عام 1894، والحكم عليه بالسجن بتهمة «الخيانة العظمى» إلاَّ أن قراراً بالعفو عنه صدر بعد عدة سنوات إثر إثبات براءته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك