تُقصَف إيران قصفاً لا يرحم يهدف إلى هدم النظام بسحق مراكزه وأعصابه المادية والبشرية، ومنعه من إعادة إنتاج نفسه، وتردّ إيران ردَّ مَن يريد أن يبدو مجنوناً يجب توخّي رضاه لأنه غير مأمون الجانب، ولكنه بدا مخبولاً يجب إنهاء تهديده لأنه لا يفهم مصلحته، فيستعدي بالصواريخ والمسيّرات حتى المتضامنين معه في أحلك لحظاته.
ولكن كيف وصلت إيران إلى هنا؟إيران (ومحور المقاومة الذي قادته طهران عقوداً) لعبت جيّداً على تناقضات إقليمية ودولية، واستفادت أيضاً من حظوظ سعيدة، وأثبتت إصراراً على ثالوثها الأثير: المشروع النووي، وتطوير الصواريخ، والتوسّع الإمبراطوري.
وكانت معاركها في العموم ناجحةً في هذه الجبهات الثلاث.
ثم أتى" 7 أكتوبر" (2023)؛ التاريخ الذي لن نفهم مستقبل الشرق الأوسط من دونه، وكان مثل المفاصل التاريخية كلّها يحتشد بالكارثة والفرصة معاً: محور إيران يعيش مجده، واستراتيجية تطويق إسرائيل تعمل جيّداً، وإسرائيل، جيشاً ودولةً، مشدوهةٌ ومشلولةٌ بعد ضربة" طوفان الأقصى" الصاعقة.
ولكن إيران، دولةً قوميةً تبحث عن مصالحها بعقلانية باردة ولا تغامر أبداً رغم كلّ بلاغتها الكرتونية الهستيرية، خافت في تلك اللحظة الحاسمة، واختارت ألا تلبي دعوة قيادة حركة حماس لاقتناص الفرصة وتغيير موازين الصراع في المجال العربي.
في" 7 أكتوبر" حدث تصادم داخل محور المقاومة بين رؤيتَين للعالم: رؤية حركة تحرّر وطني ضدّ الاحتلال، ورؤية دولة قومية؛ بل تنفي تلك الدعوة، في مفارقة تاريخية، من الداخل استراتيجية إيران التي كان من مقتضياتها في الأصل دعم حركات المقاومة الفلسطينية والمليشيات الطائفية العربية؛ وهي أن إيران لن تخوض حرباً تقليدية بعد حرب الثماني سنوات المريرة مع العراق، وستستعيض بالحركات المسلّحة في مواجهة أعدائها.
لا نعرف اليوم كيف دار النقاش داخل نخبة الدولة الإيرانية يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ولكن الأرجح أن انقساماً حول الموقف من" 7 أكتوبر" لم ينشأ في الأصل، لأن الاستجابة هي هدمُ رؤية النظام في إيران لذاته ولموقعه في الإقليم.
توسيع الصراع وسيلة إسرائيل الفضلى من أجل حصد مكاسب حربها على غزّةفي تلك الأيام، كان خطاب إدارة بايدن الإقليمي يركّز على" منع توسّع رقعة الصراع"؛ بعد يومٍ فحسب من انطلاق" طوفان الأقصى"، صرّح وزير الخارجية الأميركي آنذاك أنتوني بلينكن أنهم يجرون اتصالات عديدة لمنع تفجّر الحرب في مناطق أخرى.
انتبه الأميركيون سريعاً إلى أن إسرائيل كانت هشّة في تلك اللحظات، وأن اقتحام إيران ميدان المعركة (بتشجيع حزب الله على مهاجمة شمال فلسطين المحتلة مثلاً) سيهدّد توازنات القوة في الشرق الأوسط، وقد تضطرّ واشنطن حينها إلى تدخّل عنيف وغير مضمون العاقبة في المنطقة مجدّداً، وهو أمرٌ لا تريده وتحاول تجنّبه منذ عهد أوباما.
استبطن الجميع المنطق الأميركي؛ قبلته إيران لأنه المنطق الوحيد الذي يمكن لعقلها الاستراتيجي تقبّله، على الرغم من إدراكها أنها بذلك ستخسر غزّة والمقاومة الفلسطينية.
قبلته ضمنياً منذ اليوم الأول لـ" طوفان الأقصى"، ثم رسمياً بعد أسابيع من تصريحات بلينكن، على لسان وزير خارجيتها الراحل حسين أمير عبد اللهيان، في مقابلة مع" سي أن أن" في نهاية أكتوبر 2023.
أمّا الدول العربية التي لا تريد أيّ مواجهة سياسية مع الولايات المتحدة وحلفائها، وأصبحت القضية الفلسطينية تزعجها وتنهكها، فوجدت الثمن باهظاً ولكنّه معقول، وعبّرت بياناتها الرسمية علناً عن فكرتَين: رفض التهجير وتوسّعِ الحرب.
وهكذا اختار الجميع في الإقليم استمرار الإبادة في مقابل سلامة الدول سياسياً وعسكرياً، وسلامة علاقتها بالولايات المتحدة.
يمكن القول إن ذلك كان آخر اختيار محسوب في الشرق الأوسط منذ هجوم 7 أكتوبر.
بكلامٍ آخر؛ كان ذلك الاختيار هو، في الوقت نفسه، نفي مَلَكة الاختيار في الصراع كلّه.
منذ ذلك الحين لم يعد ممكناً أن يتّخذ طرفٌ قراراً حاسماً في الصراع من دون أن يغيّر أشياءَ عميقة في وجوده وتفكيره أولاً.
مذ ذاك، وبعد أن أفاقت إسرائيل من دوارها وضمنت هدوء الإقليم وعزوفه عن التدخّل لوقف المذبحة في غزّة، لم يعد لخيارات أيّ دولة في الشرق الأوسط معنى، لأن أيّ خيارٍ لن يغيّر من القدر الإسرائيلي شيئاً.
انقلبت الآية بعد بضعة شهور، وغدا توسيع الصراع وسيلة إسرائيل الفضلى من أجل حصد مكاسب حربها على غزّة، وساندت (وشاركت) الولاياتُ المتحدة إسرائيل في" توسيع رقعة الصراع" في لبنان واليمن وسورية وإيران.
وهكذا كانت أذرع إيران تُقطَع أو تسقط تباعاً، ولم يكن أمام إيران خيار إلا انتظار دورها في صبر وجَلَد يسندهما رهان قليل الحيلة على تمديد الوقت لعلّ شيئاً يحدث فيمنع المحتوم، لأنها إن بادرت بهجوم استباقي فستعجّل بالحرب التي لا تريدها ولم تعد مستعدّةً لها.
ولكنها أيضاً كانت تضعف أكثر كلّما مرّ الوقت، لأن مخالبها كانت تُقلَّم الواحد بعد الآخر، وهذا كان يغري بضربها ويُقرّب يوم تصفية حساب إسرائيل معها.
كل الطرق إذن كان لها المنتهى ذاته.
ربّما تكون حرب 2026 هي أول حرب في التاريخ الحديث تسبقها حرب تمرينية بالتكتيكات نفسهاربّما كان أبلغ تكثيف لتلك الحالة التاريخية" القدرية" هو مقابلة الحرب الراهنة بحرب الـ12 يوماً عام 2025.
ربّما تكون حرب 2026 هي أول حرب في التاريخ الحديث تسبقها حرب تمرينية بالتكتيكات نفسها، وبالخُدع وترتيب الخطوات، ولم تغيّر حربُ 2025 شيئاً في استعدادات إيران أو قدرتها على المناورة في حرب 2026.
أمّا الدول العربية فباءت بغضب شعبي خطير طعن شرعية أنظمتها، وبضعف استراتيجي لن تكون عواقبه حميدة، وها هي اليوم إحدى ساحات الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية، على الرغم من كلّ ما فعلته لمنع هذه الحرب وتجنّب الانخراط فيها، ولم يعد أمامها خيار واضح يقلّل خسائرها المحتومة؛ إن هي بقيت على سياستها فستقع تحت سطوة إسرائيلية لم يعرفها العرب من قبل، وإن هي قرّرت الآن الضغط على الولايات المتحدة والاحتكاك معها سياسياً، فلن يعود الضغط مؤذياً كما كان لحظة 7 أكتوبر حين كانت إسرائيل في هلع الصدمة، وثمّة مقاومة فلسطينية عنيدة تهدّدها، وطوق مليشياوي مدعوم إيرانياً يحاصرها، والولايات المتحدة تحتاج إلى حلفائها العرب حتى لا تنزلق المنطقة إلى فوضى يصعب على أحد ضبطها.
بعد تجاوز تلك اللحظة، اقترفت إسرائيل إبادة وخاضت حروباً، ولن تتوقف عن دَحْل الإقليم إلا بعد أن تعود بغنيمة الإبادة: أن تصبح القطب الأوحد في الشرق الأوسط فتُخضع الأصدقاء قبل الأعداء، وأن تئد قضية الشعب الفلسطيني بتهجيره، وربّما كان الأمران هما الشيء نفسه في رؤية إسرائيل لذاتها ولمستقبلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك