قبل سنوات من اختياره من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقيادة وزارة الدفاع، كان بيت هيجسيث يروي الدافع الأخلاقي الذي دفعه للتطوع في حرب العراق، باعتبارها معركة ضد ما وصفه حينها بـ«الشر»، لكن مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تبدو لغة هيجسيث مختلفة تمامًا، إذ يتحدث اليوم عن ضرورة إمطار السماء بالموت والدمار، في خطاب يعكس تحولًا واضحًا في الطريقة التي تبرر بها واشنطن حروبها.
في صيف 2005، كان هيجسيث يعمل في وول ستريت عندما قرأ تقريرًا عن هجوم انتحاري قتل 18 طفلًا عراقيًا، وهو ما قال إنه شكل لحظة فاصلة في حياته، وفقًا لتقرير تحليلي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
وفي مقابلة قديمة مع مجلة خريجي جامعة برينستون، قال إن الحادثة مثلت بالنسبة له وجه الشر، ودفعته للاعتقاد بضرورة المشاركة في الحرب لمنع انتصار تلك الأيديولوجيا.
وبعد فترة قصيرة، أُرسل إلى مدينة سامراء، إحدى أكثر مدن العراق اضطرابًا خلال سنوات الحرب، حيث شارك ضمن فريق عسكري ركّز على إعادة الإعمار ومحاولة كسب دعم السكان المحليين.
بداية الشك في خطاب بناء الأمةخلال وجوده في العراق عام 2006، شهد هيجسيث تفجير مرقد سامراء، وهو الحدث الذي فجر موجة عنف طائفي أدخلت البلاد في حرب أهلية، وفي تلك الفترة، شارك في برنامج لإعادة الإعمار أنفقت فيه الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات، لكنه خلص لاحقًا إلى أن جزءًا من هذه الأموال انتهى بتمويل التمرد بدلًا من القضاء عليه.
هذه التجربة، وفق مقربين منه، كانت من العوامل التي جعلته يشكك في فكرة أن الجيش الأمريكي يجب أن ينشغل بإعادة بناء الدول، بدلًا من التركيز على هزيمة العدو عسكريًا.
عقيدة جديدة.
القوة أولًا لا القيممع توليه وزارة الدفاع في إدارة ترامب، أصبح خطاب هيجسيث أكثر صراحة وحدّة، فبدلًا من الحديث عن نشر الديمقراطية أو حماية المدنيين، يؤكد أن مهمة الجيش الأساسية هي قتل العدو وتحقيق النصر بأي وسيلة.
وقال في تصريح داخل البنتاجون إن الحرب الحالية ليست بناء أمة جديدة، وليست 2003، في إشارة إلى حرب العراق، مضيفًا أن الجيش يسعى لتحقيق أهداف الحرب بكفاءة وحشية، وهيمنة جوية كاملة، وإرادة لا تقهر.
وتقول وزارة الدفاع إن هذه التصريحات تعكس رسالة قوة للأعداء والحلفاء في عالم يزداد خطورة، لكنها أثارت جدلًا داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية.
يتقاطع خطاب هيجسيث مع رؤية ترامب الذي طالما رفض فكرة أن للولايات المتحدة دورًا أخلاقيًا خاصًا في العالم، ففي حين حملت العمليات العسكرية السابقة أسماء مثل «الحرية الدائمة» في أفغانستان، و«الحامي الموحد» في ليبيا، اختارت الإدارة الحالية اسمًا مختلفًا لمهمة إيران، وهو «الغضب الملحمي»، وهو اسم يعكس، بحسب منتقدين، تحولًا من خطاب القيم إلى خطاب الردع والانتقام.
يرى عدد من قدامى المحاربين أن هذا التحول ليس جديدًا بالكامل، بل يظهر غالبًا بعد حروب طويلة ومكلفة مثل العراق وأفغانستان، حيث تتزايد الأصوات التي تقول إن الولايات المتحدة خسرت لأنها لم تكن حاسمة بما يكفي.
لكن خبراء في علم النفس العسكري يحذرون من أن التخلي عن المبررات الأخلاقية للحرب قد يترك الجنود في مواجهة عبء نفسي أكبر، فالإطار الأخلاقي، بحسب مختصين، يمنح المقاتلين تفسيرًا لما يفعلونه، بينما قد يجعل خطاب القوة المجردة الحرب أكثر قسوة على من يخوضها.
حرب بلا رواية أخلاقية واضحةمع دخول الحرب ضد إيران أسبوعها الثاني، لا يزال السؤال مطروحًا داخل الولايات المتحدة: هل تخوض واشنطن حربًا دفاعًا عن الأمن، أم انتقامًا من خصم؟وبينما يركز الجنود على تنفيذ المهام العسكرية، يرى محللون أن الصراع الحالي قد يكون أول حرب كبرى تخوضها الولايات المتحدة في العصر الحديث دون خطاب أخلاقي واضح يبررها، وهو ما قد يترك أثرًا طويل المدى على الجيش والرأي العام معًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك