في شهر رمضان، تتبدل إيقاعات الحياة اليومية في المدن السورية، وتعود الطقوس المرتبطة بالشهر لتملأ البيوت والشوارع، ولكن بالنسبة لكثير من السوريين الذين أمضوا سنوات في الاغتراب ثم عادوا للاستقرار في بلدهم، يبدو رمضان هذا العام مختلفًا، إذ يعيشونه بين ذاكرة حملوها معهم من الخارج وواقع يكتشفونه من جديد في الوطن.
“ما عاد شعرت إني مع أشخاص مؤقتين بتجمعنا فقط تفاصيل الوحدة الي عشناها بالغربة”، تقول ربا رجب وهي تستعيد أول رمضان تقضيه في سوريا بعد سنوات طويلة خارجها، تتابع حديثها وكأنها تقارن بين عالمين: “كنا نلتقي أحيانًا في خيم رمضانية ربما مرة واحدة في الشهر الكريم، بعدين بيرجع كل واحد منا لحياته”.
تتوقف لحظة ثم تضيف لموقع تلفزيون سوريا: “هون كلشي مختلف، في شعور بالألفة والانتماء للمكان”، تصف ربا إحساسها هذا العام بكلمات عاطفية قائلة: “شعوري جميل، مليء بالأمان والطمأنينة كأني وجدت القطعة الناقصة من لوحة حياتي”.
في الغربة كما تروي، كان الإفطار بسيطًا ومحمّلًا بالحنين “كنا نفطر على تمرة وصوت الأذان بيطلع من الموبايل أو من تطبيق مواعيد الصلاة في المدينة اللي ساكنين فيها، منجتمع أنا وبعض الأصدقاء، ونبدأ نحكي عن الأكلات الشامية اللي كنا ناكلها مع أهلنا برمضان”.
لكن حتى هذا اللقاء لم يكن متاحًا دائمًا، وتتابع: “بصراحة اللي كان يلاقي أصدقاء يفطر معهم كان محظوظ أغلب الوقت كنا نبحث عن تجمعات الجالية المسلمة أو الخيم الرمضانية اللي تنعمل مرة بالشهر في لندن لحتى نشوف بعض”.
أما اليوم فتبدو الصورة مختلفة تمامًا، “هون بسوريا ما بتحتاج تدور على تطبيق لتعرف موعد الأذان، ولا تبحث عن أجواء رمضان أنت عايشها بعيونك عم تشوفها بالطرقات”.
ذكريات رمضان في الغربة" رفاهية"تستعيد ربا تفاصيل يومها وكأنها تعيشها من جديد: “منفطر مع العائلة كل يوم، والمائدة فيها الأكل الشامي اللي اشتقنا له الشوربة والسلطة والتمر والعصير وطبق رئيسي، الكل بيصحى عالسحور، وعند الإفطار بيكون في هدوء بالشوارع، وبعدها ترجع الأزقة تمتلئ بالناس، الكل رايح على صلاة التراويح أو على المقاهي والمطاعم”.
بالنسبة لربا، هذه التفاصيل التي تبدو عادية للكثيرين كانت يومًا ما بعيدة المنال “أشياء مثل صوت الأذان، وصلاة التراويح، ولمّة الإفطار كانت في الغربة رفاهية”.
ثم تختصر كل ما تشعر به الآن بجملة “لمة العائلة هي الأمان بالنسبة إلي اليوم”.
دفء رمضان بين الأهل و في الوطنبالنسبة لكثير من السوريين الذين عادوا إلى بلدهم بعد سنوات من الغربة واللجوء، لا يبدو رمضان مجرد شهر للصيام، بل تجربة تُعاش بمعانٍ مختلفة عمّا اعتادوه في الخارج، فبين صوت الأذان في المساجد، ولمّة العائلة حول مائدة الإفطار، وتفاصيل الشوارع التي تستعيد حيويتها بعد المغرب، يكتشف العائدون أجواء الشهر من جديد داخل المكان الذي ينتمون إليه.
بعد سنوات قضتها سندريلا الحمصي بعيدًا عن سوريا، تصف عودتها لقضاء رمضان في بلدها بكلمات يغلب عليها الحنين.
قائلة: “الإحساس بالشهر يتغيّر تمامًا عندما يعيشه الإنسان بين أهله وفي المكان الذي ينتمي إليه، شعور حلو يكون الواحد بوطنه، بين أهله والناس يلي بحبهم”، مضيفة أن في ذلك “دفا وخير وبركة”.
وتشير إلى أن أجواء رمضان هنا أكثر حضورًا، حيث تبدو العادات والتقاليد الرمضانية واضحة كما افتقدتها في بلاد الغرب.
وتتحدث عن التفاصيل التي تمنح الشهر معناه بالنسبة لها: “لمة العيلة، والأكلات الطيبة، والعادات الرمضانية والأهم صوت أذان الجامع”، فالمائدة في الوطن كما تقول، ليست مجرد طعام، بل لحظة تجمع وتظهر روح رمضان.
أما أكثر ما تنتظره، فهو لحظة أذان المغرب، حين تمتلئ البيوت بروائح الطعام، وتظهر أكلات رمضان في كل زاوية من البلد، من الناعم إلى المعروك، “وكأن البلد كله بيعيش بنفس اللحظة”.
رمضان في الوطن تفاصيل لا تعوضها الغربة“لوقت كتير حملت جواتي شعور مختلط بين عدم التصديق لما وصلنا إليه اليوم، وبين الإحساس بأحقية ما نعيشه بعد كل القهر والظلم”، هكذا يصف الإعلامي عبد القادر لهيب لموقع تلفزيون سوريا تجربته مع رمضان في سوريا بعد سنوات من الغربة.
ويضيف أن ذلك الألم لم يكن يخص المبعدين وحدهم، بل “كان انعكاسه يصل إلى قلوب الأهل ومن نحب، وهذا ما يزيد وجعنا كمبعدين ومهجّرين”.
لكن لهيب يفضّل أن يختصر شعوره اليوم بكلمات أبسط: “أشعر وكأن الروح عادت من جديد”، كما يتذكر كيف كان رمضان في الغربة يمرّ كأي شهر آخر، مجرد أيام ومحطة عابرة في السنة.
“هناك كان شهراً عادياً أما هنا فعاد رمضان بتفاصيله وحكاياه وسهراته ولمّة الأهل”، وحتى عندما يكون في دمشق بعيداً عن عائلته، يقول إنه يشعر بالفرق في أبسط الأشياء: “رسائل واتساب، صور موائد الإفطار، وضحكات السهر كل شيء مختلف”.
يصف إحساسه بالعودة قائلاً: “كأن الروح بُثّت في كل شيء من جديد حتى الهواء نفسه له طعم مختلف، طعم الانتماء”.
أكثر ما كان يفتقده كما يقول: “هو طعام والدتي، مع أنها علمتني الطبخ في الغربة”، يروي مبتسماً وهو يستعيد تفاصيل تلك الأيام: “اتصل عليها من السوق لأسألها عن المقادير، ثم الاتصال مجدداً من المطبخ: “الملح هيك منيح؟ النار بقويها أكتر؟ ”.
وعند اقتراب موعد الإفطار، كان يتصل ليُريها المائدة، “كانت تدمع عيونها وعيوني، ونترك المجال للدعاء أن نلتقي مجدداً”.
اليوم تغيّر المشهد، يقف إلى جانبها في المطبخ بنفسه، يضيق عليها المكان قليلاً، بينما تمازحه قائلة: “طبخي أحسن ولا طبخك؟ ”.
وتبدأ الضحكات تزاحم الدقائق الأخيرة قبل الأذان.
يتحدث عن تلك الفوضى الجميلة التي يعرفها في البيوت السورية: تأخير الطعام، والجدل اليومي حول المشروب بين السوس والتمر هندي، والقهوة، والسهر حتى وقت السحر.
“كل شيء هنا يشبهنا لا ترتيب زائد ولا صمت رسمي على المائدة”، ورغم كل التفاصيل التي يستعيدها، يختصر لهيب معنى هذه العودة بجملة واحدة: “وجودي وسط عائلتي هو الربح الأكبر”.
لا تبدو تجربة العودة بالنسبة لجميع العائدين واحدة، فبعضهم ما زال يعيش شعورًا رماديًا بين الانتماء والاغتراب، حتى وهو في بلده، هذا ما تصفه سيدرا، التي عادت من أوروبا لتقضي رمضان في سوريا، لكنها تقول إن الإحساس بالاستقرار لم يكتمل بعد.
موضحًة أن العودة خففت شعور الغربة، لكنها لم تُنهه تمامًا: “بحس إني لسا بغربة بس أصغر من اللي كنت فيها برا، عم أفطر كل يوم بمكان، وأحيانًا لحالي، بس بيضل شكل الطرقات برمضان بيرد الروح”.
وتضيف أن الأجواء تتغير من يوم إلى آخر أحيانًا تجد نفسها وسط لمة وأصدقاء، وأحيانًا أخرى تشعر بفراغ أكبر، “في أوقات بحس بلمة ورفقة، وأوقات بكون لحالي وهالشي بيخليني حس بالفراغ أكتر، لأني عم حس بشي مو معي طول الوقت”.
ورغم ذلك تؤكد أن رمضان في الوطن مختلف بلا شك، لكنها تعترف أن شعور الانتماء الكامل لم يكتمل بعد، قائلًة: “أكيد رمضان بالوطن غير بس أنا لسا ما وصلت لشعور تلاشي الغربة النهائي”.
رمضان واستعادة الروابط الاجتماعيةلا يقتصر رمضان بالنسبة لكثير من السوريين العائدين من الاغتراب على كونه شهرًا دينيًا فحسب، بل يحمل بعدًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا يرتبط بالذاكرة والحنين وتجارب الغياب الطويل.
في هذا السياق أوضحت الاختصاصية النفسية آلاء الدالاتي لموقع تلفزيون سوريا أن حرمان كثير من السوريين في الخارج لسنوات طويلة من زيارة بلدهم والمشاركة في المناسبات العائلية والاجتماعية والدينية جعل العودة إلى هذه اللحظات، تجربة مليئة بالمشاعر المرتبطة بالذاكرة.
مشيرًة إلى أن التجارب الأولى والطقوس الاجتماعية أو الدينية تترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الفردية والجمعية داخل أي مجتمع، لذلك فإن قضاء رمضان مع العائلة والأقارب بعد سنوات من الغياب يشكّل بالنسبة لكثير من السوريين استعادةً لجزء مهم من هذه الذاكرة.
وتضيف الدالاتي أن العيش لسنوات طويلة في بلدان الاغتراب يخلق بطبيعة الحال أشخاصًا بعادات وأفكار مختلفة نتيجة تغيّر البيئة وطبيعة الحياة، ومع ذلك، تبقى الطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية حاضرة في ذاكرة أكثر المغتربين، وهو ما يدفع كثيرين منهم إلى محاولة إعادة خلق أجواء مشابهة في الخارج من خلال الحفاظ على الطقوس العائلية داخل المنزل، أو عبر المشاركة في فعاليات وتجمعات للجاليات في المطاعم أو أماكن اللقاء الخاصة بهم، في محاولة نفسية لتخفيف أثر الحنين من خلال بناء بيئة أقرب إلى البيئة الأصلية.
وترى الدالاتي أن المناسبات الدينية، قد تلعب دورًا مهمًا في إعادة بناء الروابط الاجتماعية لدى العائدين، خاصة في ظل المشاعر المختلطة التي ترافق العودة والرغبة في استعادة العلاقات القديمة، كونها تساعدهم على إعادة الاندماج في مجتمع تغيّر خلال سنوات الغياب، وتعزز شعورهم بالانتماء من جديد، كما أن الحرمان الطويل من هذه الطقوس في الغربة قد يجعل العودة إلى عيشها في الوطن تجربة مليئة بالامتنان والرضا، والاستمتاع بكل تفاصيلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك