تجربة جديدة تُصمّم لإعادة الحياة في المدن الأثرية كما كانت لحظة عاشها بُناتها الأوائل، عبر توظيف الفنون البصرية في عدد من المواقع التراثية التونسية، في تظاهرة" أقواس تحت الأنوار" التي انطلقت في الحادي والعشرين من الشهر الماضي في حيدرة (أميدرة) قرب الحدود مع الجزائر؛ الحاضرة الرومانية التي بُنيت في القرن الأول الميلادي، وتُختتم يومي غدٍ وبعد غدٍ في حنايا باردو بالقرب من تونس العاصمة.
في ثالث محطّات التظاهرة، انطلق عند التاسعة من مساء الأحد الماضي في مدينة سبيطلة عرض اعتمد مقاربة ضوئية، تنطلق أساساً من المراوحة بين الضوء الأحمر والأصفر والبرتقالي الفاقع، وهي الألوان الأساسية المميزة لمعالم الجهة، والتي تعود غالبيتها لمقاطع حجرية قريبة من الصخور والحجارة الرملية ذات الألوان المشابهة.
المدينة التي تقع في الوسط الغربي للبلاد، كانت ذات يوم عاصمتها قبل الفتح الإسلامي في القرن السابع للميلاد، ولليوم، لا يزال موقعها الأثري المحمي منذ بدايات القرن الماضي، حيث توجد ساحة الفورَم الروماني ومعابد الكابيتول الثلاثة، رمز المدينة وأشهر معالمها، التي ثُبّت فيها عدد من المصابيح الخاصة ذات الإنارة المتدرجة ومتعددة الأبعاد والألوان، وفي أقصى نقطة مقابلة، نُصبت قرب قوس نصر ديوكلتيانوس، مصابيح موازية، تولت عملية الإضاءة نفسها.
ومع ذلك، فإن" أقواس تحت الأنوار" تظلّ تجربة في بدايتها، كما أكدت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، ولا تزال دون المأمول على الأقل في بعدها الفنّي، إذ تبدو عملية الإضاءة، أقرب للعملية الارتجالية والتقنية البحتة، ولا تنمّ بالضرورة عن تصور وإخراج فنّي شامل، وخصوصاً أن هذه العملية في النهاية، تندرج ضمن خانة الفنون، التي تتطلب مقاربة أشمل وأكثر إبداعاً.
وهو ما تحقق بالفعل في تجارب قريبة زمنياً وجغرافياً، وتحديداً في إيطاليا، الشريك الرئيسي للتونسيين اليوم في المجال الأركيولوجي.
ففي دراسة بعنوان" الفن والآثار في تجربة تفاعلية للسفر عبر الزمن" (2024) درس الباحث موريس دي كلاين، التجربة التي قامت بها المخرجة وباحثة الفنون البصرية الهولندية كرين كليفس في واحد من أشهر المعالم الرومانية في إيطاليا، وهو طريق فيّا أبيّا أنتيكا.
لم تمزج التظاهرة بين الفرجة والبحث والتوثيق التاريخيتمثل مشروع كليفس، في تجميع لكل محاولات توثيق الطريق، عبر أعمال ورسومات الرحالة خلال القرون الماضية، ثم اعتماد الفنون البصرية والضوئية ثلاثية الأبعاد، من أجل إعادة تركيب الطريق الرومانية وتطورها عبر العصور الماضية.
هذا المشهد الذي يعاد تركيبه، لا يتم بمعزل عن الجمهور، بل على النقيض من ذلك، إذ يوجد الأخير في صميم هذه العملية، خصوصاً عبر استخدام الصور الجديدة التي يلتقطها الزوار أنفسهم عبر هواتفهم لإثراء قاعدة البيانات التاريخية، وإدماجها في المشهد الفني.
هذه التجربة، لم تبق معزولة عن محيطها، إذ اقترح صاحب الدراسة في النهاية ضرورة تحويلها إلى تجربة نموذجية ومخبر مفتوح لدراسة تغير المناظر والمواقع الأركيولوجية والطبيعية أيضاً عبر الزمن.
وبذلك تغدو التجربة الفنية وظيفة للتسلية والفرجة وأداة للبحث والتوثيق التاريخي والأثري في آن واحد، فيما تبقى التجربة التونسية، في خطواتها الأولى نحو تحقيقها، ولعل أولى الخطوات الجدية المطلوبة هنا، إشراك الفنانين ومبدعي الفنون البصرية، قبل كلّ شيء.
التظاهرة التي تُنظمها وزارة الثقافة، تتمحور حول مسلك الزيارات الليلية لعدد من الشواهد التراثية والمعالم التاريخية، في إطار التعريف بالموروث الأثري الوطني وتقديمه برؤية جمالية معاصرة، تمنح الزائر تجربة ثقافية مختلفة تسهم في تحفيز الإقبال على زيارة المواقع الأثرية وتشجيع السياحة الثقافية، وهي بالإضافة إلى حيدرة وحنايا باردو وسبيطلة، تقام في مكثر بولاية سليانة وحنايا زغوان، وجميعها معالم تنتمي إلى الحقبة الرومانية حصراً، ولم تُختَر مواقع تمثّل حقب تاريخية أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك