أغلق سرحان كتاب «صفوة الصفوة»، ثم مصمص شفتيه، وقال لصاحبه عرفان:- كما يقال إن زمن المعجرات قد ولى، يبدو أن زمن الأولياء قد ذهب، خصوصاً إن كان الأمر متعلقاً بالنساء.
- يبدو أنك قد نسيت ما ذكرت لك عن المصرية زكية عبدالمطلب، والسودانية مريم الميرغنية، وما بيننا وزمانهما ليس بالطويل فى عمر السنين.
- نعم، توجد الموريتانية آمنة بنت يوسف بن إخويير، التى ولدت سنة 1262 هـ 1845 م، ووصفت بأنها أخت بشر الحافى فى الورع، وترك الشبهات، وكانت تردد دوماً: «المحارم محارق»، ثم تنشد:«إن الذى خاف العقاب قد يصل.
بذا له أجر الخشوع قد حصل».
- كانت إذا وقعت معصية فى بيت هى فيه أغمى عليها من شدة الخوف من الله تعالى، ويقال إنها قد اجتمع فيها ما تفرق فى مهارق حلية الأولياء من وصف النساء الصالحات؛ من رائق العبارات، وبديع الإشارات.
- امرأة تنتمى إلى قبيلة إديوعيش، المعروف عنها الشجاعة والكرم، والتى كانت لها صلة بإمارة البلاد، ظهرت عليها أمارات الصلاح منذ صغرها، يحددها من يعرفون تاريخها الشخصى بلحظة سقوطها من هودج فوق جمل، أركبتها إياه أمها، فقد انطلق لسانها بالآية القرآنية: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا»، ثم اختفت عن الأنظار، وبحث عنها أهلها فى كل مكان ليجدوها بعد ستة أشهر ذاكرة فى حضرة الصوفى محمد فال.
- ستة أشهر من الغياب لا بد أنها قد أورثت أمها جزعاً شديداً عليها.
- لا، فقد كانت مطمئنة إلى أنها فى معية الله، إذ يقال إنها، وقبل أن تبلغ الحلم، كانت تجهش بالبكاء؛ وامتنعت عن الطعام والشراب؛ فثقل ذلك على أهلها وعرضوها على أحد الشيوخ فلما استيقن من أمرها تمنى لو أن به ما بها.
كانت أمها امرأة صالحة أيضاً، وظلت مطمئنة إلى نبوءة سمعتها من رجل صالح آخر عن ابنتها حين أبلغها بأنها ستلد ولية صالحة، سيكون لها شأن عظيم.
- وما الشأن الذى بلغته آمنة؟ سأل سرحان.
- أقامت الحواضر لتعليم الصغار، وكانت تنفق عليهم بسخاء، حتى مدحها الشيخ كلاه التندغى قائلاً:«أآمنةٌ هل من شفاء بنظرة.
لداء محب يبتغى بالأصابعكفى بك فخراً أن تندغَ كلَّها.
وأقطابها والخَمسَ مأوى الشرائعلديكِ قعوداً ترتجى عفوَ ربها.
وإفضالَه إمَّا حُديّا المنازع».
كما مدحها فى قصيدة أخرى قال فيها:«لقد جددتْ نهج النبى المشرَّف.
شفيعِ البرايا أُمُّه بنتُ يوسفوجادت على الجار الفقير بمالها.
على البِشْر يعطَى من تليد ومُطرِففنالت بتقوى الله أحسن منزل.
لعمرك ما حلَّته أهلُ التصوف».
وفيها قال أيضاً العالم المفسر حبيب الله بن محمد بن محمود:«أرى أم النبى لها سمى.
تصان به المكارم والمعالىتسامى فى الإنارة كل حى.
وشيمتها السماحة بالنوالفلو كان الرجال كما رأينا.
لفضلت النساء على الرجال».
وبينما كان سرحان يفكر فى معنى ما سمعه من شعر، يعرف أن أهل موريتانيا مشهورون بنظمه حتى يقال إنهم بلد المليون شاعر، كان عرفان يأتى من ذاكرته بحكاية لا بد أن تُروى فى هذا المقام.
هز رأسه، وقال:- تخرج فى محاضرها عدد من كبار العلماء والشعراء، كان من بينهم تلميذ، صار من كبار العلماء فيما بعد، يدعى محمد سالم ابن أبى المعالى، حكى فقال: «بعثنى والداى إلى الولية آمنة بنت يوسف التى كانت تأخذ الأطفال من أهاليهم وتعلمهم القرآن، وأنا إذ ذاك فى السابعة من عمرى، وحفظت عندها القرآن فى ثلاث سنين، ووهبت لى مصحفاً وبقرتين كعادتها مع الأولاد: تقرئهم القرآن وتهب لهم هباً سنيات، وتأخذ لهم معلمين على نفقتها.
وقد حفظت كثيراً من المسائل التى تأمر بها وتنهى عنها، وكانت ذات خوارق ومكاشفات وكرامات، كما أنها ذات علم لدنى، ولم تخالف السنة يوماً واحداً ولا تقبل مخالفتها بحضرتها».
ويؤكد هذه القصة د.
محمد سالم ولد الصوفى فى كتابه «كرامات صلحاء منطقة إگيدى»، فيقول عن آمنة بنت يوسف: «كانت تبحث عن فقراء الناس، خصوصاً اليتامى فتأخذ الأطفال الصغار على نفقتها وربما تكون بذلك أول من كان يعطى منحة مالية لطلاب العلم فى هذه الربوع، فكلما وصل أحد الطلاب إلى مرحلة معينة من مراحل الدراسة المختلفة تُمَلِّكُه ناقةً أو بقرةً أو شاةً فيتخرّجُ التلميذُ من محاظرِ بنت يوسف ويعود إلى أهله عالماً أو متعلماً على الأقل، ولديه من نِتاجِ حيوانِه الذى نما فى الحى، ما يكفيه فى مستقبلِ حياتِه».
- يا له من عمل عظيم أن تسخر آمنة طاقتها ومالها فى سبيل التعليم.
- لم يقتصر جهدها على هذا، إنما بنت زاوية صوفة صارت قبلة للعباد والزهاد، وأنشأت محكمة شرعية، اختارت لها نخبة من قضاة عصرها، يحكمون بين المتنازعين بما أنزل الله، وأقامت فندقاً فى منطقة قاسية الطبيعة يلوذ به المسافرون فى الصحراء، ويقيمون بالمجان، كما ساعدت كثيراً من الشباب المقدم على الزواج، وتصدت للبعثات التبشيرية التى كانت تستغل فقر الناس.
- وهى، ماذا تعلمت؟ وعلى من تلقت علومها؟- أخذت بعض علوم الشرع والتصوف عن الشيخ أحمد بن زايد المسلمين التاشدبيتى؛ وكان شاذلياً، والشيخ الصالح الشريف باب ولد حمدى الحاجى، وكانت لها صلة بشيوخ بارزين مثل محمد فال بن متالى التندغى؛ ومحمد المامى الباركى؛ وماء العينين بن الشيخ محمد فاضل؛ ومحمد بن محمد سالم المجلسى وأبنائه؛ وكانت لها مع هؤلاء قصص تروى فى الإفادة والاستفادة والكشف.
- هل تتذكر شيئاً من هذه القصص؟- نعم، هناك قصة لها مع الشيخ ماء العينين، إذ قابلته ذات مرة فى شمال البلاد، فاستقبلها بحفاوة شديدة، ومد يده ليصافحها، لكنه امتنعت وقال له: ذاك مزال، ولم يدرك معنى ما قالته له إلا بعد سنوات حين تزوج بجارية كانت الولية آمنة بنت يوسف قد أرضعتها.
- وهل هناك قصص أخرى تبين صلاحها؟- كانت متوكلة على الله، لا تخشى أحداً من الناس، وحين أحاط بها خطر ذات يوم وهى مقيمة بالساحل خارج منطقة تخضع لنفوذ أهلها، أرسلوا إليها طالبين منها أن تأتى إلى زمامهم ليتمكنوا من حمايتها، فأرسلت إليهم ردها: أنا لا أحتمى بالمخلوق.
هز سرحان رأسه، منتظراً قصصاً أخرى من عرفان، فلم يتأخر عليه، وقال:- هناك حكايات تروى عن زهدها، رغم ثرائها، إذ يقال إنها كانت تقدم اللحم لغيرها بينما تبحث هى عن جلد يابس من الحوت فتقوم بشيه وتقتات به، وكانت كثيرة الجلوس فى التراب، ولا تلتحف الجديد من اللباس فى أغلب أوقاتها.
ويقال إن أحد أعز أبنائها إليها أقدم على ذبح شاة تمتلكها هى، بغية علاجها بلحمها، ولكن دون إذنها، فما كان منها إلا أن رفضت أن تطعم منها، على اعتبار أنها شاة ذبحت دون علم مالكها! تورعاً منها أولاً ثم تأديباً لمن معها ثانياً.
ويقول عنها أحفادها إنهم لم يروها مضطجعة على الفراش مرتاحة إلا يوم وفاتها.
وقد توفيت آمنة بنت يوسف سنة 1344هـ -1926 م، ودفنت فى بلدة أندكبعد الواقعة فى الجنوب الغربى من إنشيرى، بعد سنوات من العبادة والجهاد فى سبيل التعليم ومساعدة الفقراء، وتربية الأولاد والأحفاد، حيث تزوجت ثلاث مرات.
وقد اعترف لها القاصى والدانى فى ربوع موريتانيا بظهور الكرامة والصلاح، ورسوخ القدم فى علمى الظاهر والباطن، والزهد فى الدنيا والإنفاق فى سبيل الله.
وقد ظلت طيلة حياتها مقصداً لذوى الحاجة والمرضى والعجزة وطلاب العلم، بل كان الوجهاء فى كل محيطها الجغرافى يقصدونها.
ورغم ما رددته الألسنة عن كراماتها، فإنها ظلت ملتزمة بالسنة، متواضعة بسيطة، حتى إنها كانت تغضب بشدة حين تسمع من يصفها بالصلاح أو الولاية.
وعبر العالم الصالح عبدالفتاح ولد لولى اليعقوبى عن هذا قائلاً:«علوت على ذرى نجب المعالى.
بنفس لا تبارى فى المعالىفنفسك بالنفيس تطيب دأباً.
وهمك فى المعالى كل عالوأنشد حالك المرضى بيتاً.
قديماً صادقاً فى كل حالوإن تفق الأنام وأنت منهم.
فإن المسك بعض دم الغزال».
وأنشد فيها الشيخ عبدالله الملقب كلاه قائلاً:«كفى بك فخراً أن تندغ كلها.
وأقطابها والخمس مأوى الشرائعلديك قعوداً ترتجى عفو ربها.
وإف- ض- - ال- ه أما ح- - ديا ال- م- - - - نازع».
بعد وفاتها روى حفيدها أنها قد جاءته فى المنام، حيث قال إنه قد رآها عند قنانى ماء ترقى فيها الناس، فاقترب منها والتمس منها الدعاء لينصر الله النظم؛ فقالت له: اكتب اسمه فى ورقة لأتذكره آخر الليل؛ فإذا بالورقة فى كأس مكفوءة والجميع مضاء بحيث ترى الكتابة بوضوح».
وقد عمل بوصيتها هذه، فكتب يقول هو عما خطه قلمه: «كان ما كان من انتشار وقبول ونصرة التأليف المذكور، فقد لاقى استحسان وتسليم جهابذة العلماء وفطاحلة الأئمة والشيوخ؛ وأجازه بالشعر والنثر ما يزيد على سبعين من العلماء وأهل العلم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك