العربي الجديد - "أوبن إيه آي" تطرح "جي بي تي 5.6" غداً بعد موافقة الحكومة العربي الجديد - عميل فيدرالي أميركي يردي مواطناً مكسيكياً في تكساس العربي الجديد - ما فعله حسام حسن ومنتخبنا في أرواح الملايين العربي الجديد - ماذا لو توفي خليفة حفتر؟ وكالة شينخوا الصينية - شي يدعو إلى دفع مسيرة التحديث صيني النمط عبر الابتكار العلمي والتكنولوجي الجزيرة نت - بعد انهيار الهدنة مع إيران.. خيارات ترمب تضيق وبوادر استنزاف طويل في المنطقة القدس العربي - ترامب يعتزم الطعن أمام المحكمة العليا بشأن حق المواطنة بالولادة وكالة شينخوا الصينية - نشر كتاب عن إيضاحات شي بشأن العمل على المستوى القاعدي الجزيرة نت - مستشار ترمب: مباحثاتي مع مسؤولي طرفيْ الأزمة بليبيا كانت بناءة قناة الجزيرة مباشر - ضربات أمريكية واسعة على إيران
عامة

إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق «23»: أخلاق الوصال حين تُبنى المودة على الإيمان

الدستور
الدستور منذ 3 أشهر
1

من أعظم ما جاء به الإسلام فى بناء المجتمع أنه لم يكتفِ بوضع القوانين الكبرى التى تضبط السلوك، بل اهتم كذلك بالتفاصيل الدقيقة للعلاقات الإنسانية؛ تلك التفاصيل الصغيرة التى قد تبدو عابرة فى ظاهرها، لكنه...

ملخص مرصد
يسلط المقال الضوء على أهمية أخلاق الوصال في بناء المجتمع، ويؤكد أن الإسلام اهتم بالتفاصيل الدقيقة للعلاقات الإنسانية، وحذر من الشكوك والتجسس، ودعا إلى التذكر المتبادل للفضل بين الناس.
  • يؤكد المقال أن العلاقات الزوجية والمهنية تتآكل بسبب الشكوك والتجسس.
  • يشدد على أن الثقة مثل الزجاج، إن انكسرت مرة يصعب إصلاحها.
  • يستشهد بآيات قرآنية تحذر من الظن السيء والتجسس والتنقيب عن العيوب.
من: الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم

من أعظم ما جاء به الإسلام فى بناء المجتمع أنه لم يكتفِ بوضع القوانين الكبرى التى تضبط السلوك، بل اهتم كذلك بالتفاصيل الدقيقة للعلاقات الإنسانية؛ تلك التفاصيل الصغيرة التى قد تبدو عابرة فى ظاهرها، لكنها فى حقيقتها هى الخيوط التى تُنسَج منها شبكة المجتمع كله، فالناس لا يعيشون فقط بالقوانين، بل يعيشون بأخلاق الوصال، ومنها الود بين الزوجين، والثقة بين الأصدقاء، والاحترام بين زملاء العمل، والفضل المتبادل بين الناس.

ولذلك حين قال النبى صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، كان يقصد أيضًا هذه الأخلاق الدقيقة التى تحفظ العلاقات من التآكل الخفى، فالكثير من البيوت لا تنهار بسبب خطايا كبرى، بل تنهار بسبب تفاصيل صغيرة تُهمل فيها أخلاق الوصال.

وفى الجاهلية وقبل الإسلام كانت العلاقات فى المجتمع العربى - كما فى كثير من المجتمعات القديمة - تقوم غالبًا على القوة أو المصلحة أو العصبية، فالزوجية قد تتحول إلى شكل من أشكال السيطرة، حيث تُعامل المرأة كجزء من ممتلكات الرجل، وكانت الشكوك والاتهامات تُطلق بسهولة، لأن الكرامة القبلية كانت تدفع الناس إلى المبالغة فى الدفاع عن الشرف حتى دون تثبت.

وكذلك فى العلاقات الاجتماعية الأخرى، كانت العصبية والغيرة والوشاية كثيرًا ما تُفسد العلاقات، فالإنسان قد يفسر كلمة على غير معناها، أو ينقل كلامًا مبتورًا، فتشتعل الخصومات، فلم تكن هناك منظومة أخلاقية متكاملة تضبط تفاصيل الثقة بين الناس.

وجاء الإسلام فغيّر هذه المعادلة جذريًا، وبدلًا من أن يقوم المجتمع على الشكوك، أراد له أن يقوم على حسن الظن والفضل المتبادل، ولهذا جاءت الآية العميقة التى تُعد قاعدة عظيمة فى العلاقات الإنسانية: «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ»، حيث وضعت بكلمات قليلة العدد حكمة اجتماعية هائلة، فالعلاقة بين الناس ليست عقدًا قانونيًا جامدًا، بل هى تاريخ من المعروف والجميل واللحظات المشتركة، وحين يقع خلاف أو تقصير، فإن تذكّر الفضل القديم قد ينقذ العلاقة من الانهيار.

لكن المشكلة التى نشهدها اليوم أن كثيرًا من الناس ينسون هذا الفضل، ويبالغون فى التنقيب عن العيوب وكأنهم محققون فى قضية، فكم من بيتٍ هُدم لأن زوجة قررت أن تجعل هاتف زوجها ملف تحقيق يوميًا! تفتش الرسائل، وتراجع المكالمات، وتراقب كل حركة وكأنها تبحث عن دليل خيانة؟ وكم من زوجٍ يتعامل مع زوجته بمنطق الملكية لا الشراكة، فيحاسبها على كل كلمة، ويشك فى كل تصرف! ومن هذه التصرفات تتحول العلاقة الزوجية من مساحة مودة إلى غرفة تحقيق.

والأعجب أن كثيرًا من هذه الشكوك لا يكون لها أصل، لكنها تنشأ من خوف أو وسوسة أو تجارب سابقة، والنتيجة أن العلاقة تتآكل ببطء، ذلك أن الثقة مثل الزجاج، إن انكسرت مرة، يصعب أن تعود كما كانت.

ولا يقتصر الأمر على البيوت، بل يمتد إلى أماكن العمل، وكم من موظف يقضى جزءًا كبيرًا من يومه لا فى أداء عمله، بل فى تتبع ما قاله عنه زميل بالأمس! ماذا قال فلان عنى؟ هل ذكر اسمى فى الاجتماع؟ هل يقصدنى بكلامه؟ وهكذا يتحول العمل من ساحة إنتاج إلى ساحة شكوك.

وفى بعض البيئات المهنية ينشأ نوع من التجسس الاجتماعى؛ كل كلمة تُنقل، وكل تعليق يُفسر، وكل مزحة تُضخم، والنتيجة أن العلاقات المهنية تُستهلك بالصراعات الصغيرة.

لقد أدرك الإسلام خطورة هذا السلوك مبكرًا، فنهى عنه بوضوح، وحذر القرآن من التنقيب عن العيوب، كما جاء فى قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا»، فالظن السيئ قد يكون بداية طريق طويل من الشكوك.

والتجسس هو المرحلة التالية حين يتحول الظن إلى محاولة إثباته بأى وسيلة، وهكذا تنهار العلاقات.

حتى السؤال قد يكون خطأ، بل إن القرآن ذهب أبعد من ذلك حين قال: «لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»، وهذه قاعدة عظيمة فى إدارة العلاقات، فليس كل ما يمكن معرفته يجب أن يُعرف، وأحيانًا يكون الجهل ببعض التفاصيل رحمة بالعلاقة.

فالإنسان قد يقول كلمة فى لحظة غضب، أو يخطئ تعبيرًا، أو يُساء فهم كلامه، ولو بدأ الناس فى تفكيك كل كلمة لتحولت الحياة إلى حقل ألغام، ولذلك شدد الإسلام تشديدًا بالغًا فى مسألة الاتهام الأخلاقى، فالزنا- وهو من أخطر الجرائم الأخلاقية- لم يكتفِ الإسلام فيه بالظن أو بالشبهة، بل اشترط أربعة شهود يروون الواقعة بوضوح كامل.

إن هذا الشرط الصعب لم يكن عبثًا، بل كان رسالة واضحة: لا تجعلوا الشكوك وسيلة لهدم حياة الناس.

وقد رُوى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأى رجلًا وامرأة فى وضع مريب، فأخبر على بن أبى طالب رضى الله عنه بذلك.

فقال له على: إن لم تأتِ بأربعة شهود أقمت عليك الحد، وكان عمر هو الخليفة، لكن العدل فى الإسلام لا يعرف مجاملة، وهذه القصة تكشف عن أن الإسلام أراد أن يحمى المجتمع من ثقافة الاتهام السهل.

إن أخلاق الوصال تعنى ببساطة أن نحافظ على العلاقات بالقدر نفسه الذى نحافظ به على الحقوق، أن نتذكر أن الزوجية ليست عقد ملكية، بل عهد مودة، وأن علاقة العمل ليست استهلاكًا متبادلًا، بل شراكة إنسانية، فالزوجة ليست محققة تفتش هاتف زوجها، والزوج ليس حارسًا يراقب كل خطوة لزوجته، والزميل ليس خصمًا ينتظر سقوط الآخر.

بل نحن شركاء فى حياة واحدة.

إن كثيرًا من البيوت التى تبدو مستقرة من الخارج تخرب من الداخل بسبب هذه التفاصيل الصغيرة: رسالة فُسرت خطأ، كلمة قيلت فى لحظة ضيق، تعليق نقل بطريقة مشوهة، ثم تبدأ سلسلة من الشكوك، حتى تتحول الحياة إلى توتر دائم، والأخطر أن الأبناء ينشؤون فى بيئة مشحونة بالاتهامات، فيتعلمون الشك بدلًا من الثقة.

لقد جاء الإسلام ليبنى مجتمعًا يقوم على الثقة قبل الشك، والفضل قبل الحساب، مجتمع يتذكر الناس فيه المعروف بينهم، ولا يحولون العلاقات إلى ملفات تحقيق، ولهذا كانت إحدى أجمل القواعد القرآنية فى العلاقات الإنسانية هى هذه الكلمات القليلة العميقة: «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ»، فحين يتذكر الناس الفضل، تنجو العلاقات من الانهيار.

وهكذا نكتشف مرة أخرى أن رسالة النبى صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد دعوة إلى عبادات، بل كانت مشروعًا لبناء إنسان يعرف كيف يحب، وكيف يثق، وكيف يحافظ على روابط الحياة.

ومن هنا نفهم عمق الكلمة التى قالها النبى صلى الله عليه وسلم، والتى تختصر رسالته كلها: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك