في قلب القاهرة التاريخية، وبين جدران أحد أشهر مساجدها، يجتمع عشرات المريدين كل يوم جمعة بعد الصلاة داخل مسجد الرفاعي.
حيث تُقام الحضرة الصوفية بجوار ضريح أحمد الرفاعي، في تقليد ديني متوارث يجمع بين الذكر الجماعي والالتزام بتقاليد إحدى أقدم الطرق الصوفية في العالم الإسلامي.
الحضرة في المفهوم الصوفي هي مجلس ذكر جماعي يجتمع فيه مريدو الطريقة لترديد الأذكار والأوراد والمدائح النبوية بصوت واحد وبإيقاع منتظم.
ويقود الحضرة عادة شيخ أو مُنشد يحدد إيقاع الذكر وتسلسله، بينما يردّد الحاضرون الأذكار خلفه في شكل حلقة أو صفوف متقابلة.
ويشير اسم “الحضرة” في اللغة الصوفية إلى “الحضور القلبي مع الله”، أي أن يكون الذكر ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل حالة من التركيز الروحي والالتزام بالتأمل والذكر.
وتختلف طقوس الحضرة من طريقة صوفية إلى أخرى، لكنها في جوهرها تقوم على الذكر الجماعي، وتلاوة الأدعية، وترديد أسماء الله الحسنى أو الصلوات على النبي.
الطريقة الرفاعية جذور تمتد إلى القرن السادس الهجريترتبط الحضرة المقامة في مسجد الرفاعي بالطريقة الرفاعية، وهي إحدى أقدم الطرق الصوفية في العالم الإسلامي.
أسس هذه الطريقة الشيخ أحمد الرفاعي في القرن السادس الهجري في العراق، حيث وُلد عام 512 هـ تقريبًا في منطقة البطائح جنوب العراق.
عرف الشيخ أحمد الرفاعي بين أتباعه بالتقشف والزهد، وكان يدعو إلى الالتزام بالأخلاق الإسلامية والتواضع وخدمة الناس.
وانتشرت طريقته الصوفية في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، من العراق والشام إلى مصر وشمال أفريقيا، ثم وصلت لاحقًا إلى تركيا والبلقان.
ومع مرور الزمن، أصبح أتباع الطريقة الرفاعية جزءًا من المشهد الصوفي في مصر، حيث انتشرت حلقات الذكر الخاصة بهم في عدد من المساجد والزوايا، ويعد مسجد الرفاعي في القاهرة أحد الأماكن التي تُقام فيها الحضرة المرتبطة بهذه الطريقة.
تُقام الحضرة في مسجد الرفاعي بجوار الضريح الموجود داخل المسجد، حيث يتجمع المريدون في مساحة قريبة من المقام، ويجلسون أو يقفون في شكل حلقة.
ويبدأ الذكر عادة بتلاوة بعض الأدعية والصلوات على النبي، ثم يتصاعد إيقاع الذكر تدريجيًا مع ترديد أسماء الله الحسنى.
ويحرص المشاركون على الالتزام بإيقاع موحد أثناء الذكر، حيث يردد الجميع العبارات نفسها بشكل جماعي، في تقليد يعكس فكرة التآلف الروحي بين أفراد الطريقة.
ولا تقتصر الحضرة على كبار السن فقط، إذ يشارك فيها مريدون من أعمار مختلفة، بعضهم يحضر بانتظام كل أسبوع، بينما يأتي آخرون للمشاركة في الذكر أو زيارة الضريح.
لماذا يرتدي المريدون اللون الأخضر؟يلاحظ الزائر للحضرة أن كثيرًا من المشاركين يرتدون عمائم أو جلابيب خضراء.
ويرتبط اللون الأخضر في التراث الصوفي بعدة دلالات رمزية، أبرزها ارتباطه بالبركة والنسب الروحي لآل البيت في الثقافة الإسلامية.
كما يُعد اللون الأخضر من الألوان التي ترمز في التصوف إلى الصفاء الروحي والحياة، ولذلك تبنته العديد من الطرق الصوفية كجزء من مظهرها التقليدي.
وفي بعض الطرق، يميز اللون الأخضر بين المريدين أو المنتسبين للطريقة، ويعكس انتماءهم الروحي لها.
لا تقتصر الحياة الصوفية في مصر على الطريقة الرفاعية فقط، بل توجد عشرات الطرق الصوفية المعترف بها رسميًا.
وتشرف المجلس الأعلى للطرق الصوفية على تنظيم عمل هذه الطرق، والتي يتجاوز عددها في مصر 70 طريقة صوفية.
ومن بين أشهر هذه الطرق: الطريقة الشاذلية، والطريقة الأحمدية، والطريقة القادرية، والطريقة الرفاعية، وغيرها من الطرق التي تختلف في أورادها وطقوسها، لكنها تتفق جميعًا في اعتماد الذكر كوسيلة أساسية للتقرب إلى الله.
تقليد مستمر في قلب القاهرةتظل الحضرة المقامة في مسجد الرفاعي واحدة من مظاهر الحياة الصوفية التي ما زالت مستمرة في القاهرة، حيث يجتمع المريدون أسبوعيًا للحفاظ على تقليد ديني يمتد لقرون.
وبين أصوات الذكر الجماعي وحركة المريدين في حلقات الحضرة، يتحول المكان إلى مساحة تجمع بين التاريخ الديني والتقاليد الصوفية، في مشهد يعكس استمرار حضور الطرق الصوفية في الحياة الدينية المصرية حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك