رحلت عن عالمنا المطربة الشعبية فاطمة سرحان عن عمر ناهز 98 عاما، تاركة وراءها إرثا زاخرا من الأغنيات التي حفرت نفسها في التراث الشعبي.
كانت فاطمة سرحان متمكنة فى الغناء بقوالبه الفصحى، ولا أدل على ذك من أغنيتها «قل للمليحة»، وساعدها على ذلك تمكنها من أداء الموال الصوفي قبل اكتشافها، إلى جانب تمكنها من الغناء الشعبي حتى لُقبت بـ«ملكة البلدي»، وكان صوتها علامة فارقة فى أداء المواويل التى تزخر بالقصص الشعبية المستمدة من جذور الصعيد والدلتا، وقد أطل صوتها الساحر فى أغنية «وحدانية» لأنغام لتعطي للكلمات الصعيدية للأغنية رونق خاص.
الليالي الملاح في سيدنا الحسينشاءت الأقدار أن ترحل فاطمة سرحان في رمضان، وهو الشهر التي واظبت فيه على إحياء الليالي الملاح في سرادق خاص بسيدنا الحسين، منذ أن اكتشفها رائد الفولكلور الموسيقي الشعبي زكريا الحجاوي، هى ورفيقتها خضرة محمد خضر.
كان حي الحسين يعج بالصبية والأطفال، وهم يحملون الفوانيس ويرددون «وحوي يا حوي»، بينما تقف العربات على النواصي ليلا لبيع الترمس والبندق، أما الحاجة زنوبة فقد كانت تعلن عن بضاعتها لبيع البخور الجاوى والبخور النبوي، وفوقها مقلة من الدخان لها رائحة حلوة، بينما تبيع المحلات كافة أنواع مأكولات الشهر الفضيل من الكنافة والبسبوسة والقطايف، وكذلك طبق المهلبية الشهي، وقيام ابن حميدو بطل ألعاب رفع الحديد بإقامة كرنفالاته الرياضية.
وقد كان سرادق فاطمة سرحان يُقام إلى جانب سرادق صديقتها خضرة محمد خضرة، وكان سرادقها كبيرًا مُكدسًا بالجمهور، وقد كانت خضرة تتوسط التخت لتسيطر على الملايين، وقد كانت تغنى أغنيتها الشهيرة" ملاعيب شيحة"، ثم تبدأ في ترديد أغنيتها الشهيرة" حبيبي يا ولدي.
بحب بلدي.
وأهل بلدى وطني، يا نى يا بلدي بلدي يا ولدي"، وقد كان يُرافقها زوجها الشاعر زكريا الحجاوي.
ملحمة أيوب المصري وشراكة فنية مع خضرة محمد خضرةوقد جمع الفنان زكريا الحجاوي، تراث مصرالموسيقي المستمد من الفولكلور عبر جولاته بين النجوع والقري، ومنها ملحمة «أيوب المصري»، وهى ملحمة مصرية تتحدث عن صبر أيوب وقيام زوجته ناعسة بحمله والصبر معه فى محنته، وهى الملحمة التى قدمها فى الإذاعة، وشاركت فيها الفنانة فاطمة سرحان مع صديقتها خضرة محمد خضر.
والفنانة فاطمة سرحان هي والدة الفنانة المعتزلة سوزان عطية، وقد وُلدت فى مدينة بسيون عام ١٩٢٨م وقد خاضت غمار الغناء فى الموالد الشعبية قبل أن يكتشفها زكريا الحجاوي، ومثلما شاركت الراحلة خضرة محمد خضر سرادقها فى سيدنا الحسين، شاركتها فى غناء ملحمة «أيوب وناعسة»، وقد تفوقت سرحان فى سرد القصص الشعبية والدينية بطريقة فذة مدهشة سواء فى مدح النبي محمد عليه الصلاة والسلام أو القصص والحكايات مثل قصة «هاجر والخليل»، وشاركت فى الكتير من استعراضات الفنون الشعبية ومنها" رقصة الحجالة" مع الراقصة نجوى فؤاد، كما ساهمت فى رعاية وتدريب فرقة النيل للغناء الشعبى.
قدمت فاطمة سرحان مواويل الصعيد، مثل حكاية «نطق الجمل» والتى مازال يقبل عليها الصعايدة، وقدمت بصوتها خلفية فى أغنية «وحدانية» لأنغام، قبل مشاركتها فى مسلسل «أفراح القبة»، وقد كانت الخلفية التى ترددها فاطمة سرحان فى أغنية وحدانية من أرق الأصوات التى أعطت الأغنية مذاقا خاصا.
تظل أغنية الفنانة أنغام، وحدانية، والتى شاركت فيها فاطمة سرحان من أروع الأغنيات التى حوت اللهجة الصعيدية الخالصة القحة بدون تزييف أو تبديل أو تغيير، والأغنية كلمات الشاعر الكبير عصام عبدالله، وتلحين أمير عبدالمجيد، وغنتها أنغام عام ١٩٩٩م، وينشغل رواد موقع التواصل الاجتماعي بالسؤال عن شرح مفردات كلماتها العذبة؛ حيث تشرح الأغنية حال امرأة عاشقة تتذكر كلمات محبوبها، ثم تصف حالها، بينما المجموعة الصوتية فى الأغنية تستعيد ذكريات كلمات الرجل العاشق، ويرجع البعض أن الأغنية استفادت من التراث البدوي العربي في كلماتها.
(قال لي يا أم رشرش حرير شنكله أحمر.
والشعر خيلي سواده ليلي طويل مضفر.
قال لي يا أم رشرش حرير شنكله أحمر.
والشعر خيلي سواده ليلي طويل مضفر.
والقصة حاردة على حواجب من اللي تسحر، والقصة حاردة على حواجب من اللي تسحر، خايله لحديث فروق راسك يا عيو جيه).
وتستمر كلمات الأغنية (قال لي إيديكي معالج زان زانها العنادي، فوق المقصب، الرومية وتحته وادي، قال لي إيديكي معالج زان زانها العنادي، فوق المقصب، الرومية وتحته وادي، حطة المشخلع والكردان على حسن هادي، حطة المشخلع والكردان على حسن هادي، شوفوا الجدعان اللتاتين اللي حواليّ، شوفوا الجدعان اللتاتين اللي حواليّ آه، قال لي عجبانة الود ودي أنقشك حنة يا أم الجبين الأبيض)كُرمت فاطمة سرحان من الهيئة العامة لقصور الثقافة، ومنحت درع الهيئة تكريمُا لدورها في توثيق التراث الشعبي في 10 مايو 2015م، وقام المركز القومي للمسرح والموسيقي والفنون الشعبية بإصدار كتيب عنها وإنتاج فيلم تسجيلى عن تاريخها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك