غالباً ما تتحول الحروب إلى لحظات فاصلة تعيد تشكيل التوازنات الإقليمية وترسم خرائط جديدة للنفوذ.
وتاريخ الشرق الأوسط ملىء بكثير من الحروب التى لم تكن مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل أكدت هذه الحقيقة، من الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، إلى الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، وصولاً إلى موجة الاضطرابات التى أعقبت ما سمى بـ«الربيع العربى»، وكانت كل أزمة كبرى تترك بصمتها على بنية النظام الإقليمى.
واليوم تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وكأنها لحظة مفصلية جديدة فى تاريخ المنطقة، فهى ليست مواجهة بين دول، لكنها فى جوهرها صراع مركب تتداخل فيه اعتبارات القوة العسكرية، والصراع على النفوذ، والتحكم فى ممرات الطاقة والتجارة العالمية.
ومن هنا، فإن تداعيات هذه الحرب لا تقتصر على حدود إيران أو إسرائيل، وإنما تمتد لتطال مجمل التوازنات السياسية فى المنطقة، بما فى ذلك موقع ودور القوى الإقليمية الكبرى، ومن بينها -بطبيعة الحال- مصر.
تاريخياً.
قام النظام الإقليمى فى الشرق الأوسط على معادلة توازن غير مستقرة بين عدة قوى رئيسية، تضم إيران وتركيا وإسرائيل والدول العربية الكبرى، ومع اندلاع الحرب على إيران، دخلت هذه المعادلة المتأرجحة مرحلة إعادة صياغة حقيقية.
إضعاف إيران عسكرياً -وهو أحد الأهداف المعلنة- أو اقتصادياً - كهدف غير معلن - قد يؤدى إلى تقليص نفوذها الإقليمى الذى توسع خلال العقدين الماضيين فى العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتى الأراضى الفلسطينية.
بنت طهران خلال هذه الفترة شبكة واسعة من التحالفات مع أنظمة حكم، وجماعات داخل بعض الدول، ما جعلها أحد أهم مراكز القوة فى المنطقة.
ومع ذلك، فإن أى تراجع فى الدور الإيرانى لن يعنى بالضرورة استقراراً فورياً، لكنه قد يخلق فراغات استراتيجية فى عدد من الساحات الإقليمية، وهو ما قد يدفع قوى أخرى إلى محاولة ملء هذا الفراغ.
وهنا يبرز احتمال إعادة ترتيب خريطة النفوذ بين القوى المختلفة، بحيث تصبح المنافسة أكثر حدة بين الفعالين الإقليميين على إدارة مناطق النفوذ التى قد تنسحب منها إيران أو يتراجع تأثيرها فيها.
فى ظل هذه التحولات، تبدو الفرص متاحة - نسبياً لتنامى دور بعض القوى الإقليمية الأخرى التى تسعى إلى تعزيز نفوذها السياسى والاقتصادى والأمنى فى المنطقة.
تركيا - مثلاً - التى تسعى منذ سنوات إلى ترسيخ حضورها فى الشرق الأوسط وشرق المتوسط، ترى فى تراجع النفوذ الإيرانى فرصة لتوسيع مجالها الحيوى.
وكذلك الحال بالنسبة لإسرائيل، التى تسعى إلى تثبيت تفوقها العسكرى والاستراتيجى فى المنطقة، وتعمل على توظيف التحالفات الجديدة التى نشأت خلال السنوات الأخيرة مع بعض الدول الإقليمية.
وفى الصورة أيضاً دول الخليج، التى تشعر بقلق عميق من السياسات الإيرانية منذ سنوات، قد تجد فى هذه الحرب فرصة لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية فى المنطقة بما يحد من نفوذ طهران ويعزز أمنها القومى، خاصة بعض أن طالتها الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
لكن هذه التحولات لن تكون بالضرورة مستقرة أو سهلة، لأن إعادة رسم موازين القوى دائماً ما تمر بمراحل من الاضطراب وعدم اليقين قبل أن تستقر على المعادلة الجديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك