في موسم درامي اتسم بالهروب إلى الحكايات الخفيفة والقصص المكررة، طرح مسلسل" عين سحرية" أسئلة أكثر إزعاجاً من المعتاد في الدراما المصرية، فالمسلسل لا يكتفي بحكاية بوليسية عن كاميرات مراقبة وابتزاز رجال أعمال فاسدين، بل يستخدم هذا الإطار لفتح نقاش أوسع حول العدالة والقانون والطبقات المهمشة في المجتمع، في واقع يزداد فيه الشعور بالعجز أمام الفساد والبيروقراطية.
وبينما يبدو" عين سحرية" في ظاهره دراما تشويق تقليدية، تتكشف مع تقدّم الأحداث طبقات اجتماعية وسياسية أكثر عمقاً، تجعل منه واحداً من أكثر أعمال موسم رمضان 2026 إثارة للنقاش، رغم ما شابه من عيوب درامية في نهايته وبعض تفاصيله.
في البداية يبدو المسلسل وكأنه ينتمي إلى دراما التشويق البوليسي التقليدية، فأحداثه تدور حول عادل (عصام عمر)، الشاب الذي يتورط في تركيب كاميرات مراقبة خفية غير قانونية بسبب حاجته إلى المال لرعاية أسرته.
وهو الحدث الذي يغير مجرى حياته، ويجعله تحت رحمة المحامي الغامض زكي (باسم سمرة)، الذي يستغله في تركيب كاميرات لمراقبة رجال أعمال فاسدين وابتزازهم للحصول على المال ومعاقبتهم على أعمالهم الإجرامية سعياً لتحقيق العدالة.
لكن مع توالي الأحداث تتوارى أهمية كاميرات المراقبة والأحداث البوليسية، مقابل تصاعد المعاني الاجتماعية التي يطرحها العمل من خلال قصة" عادل" و" زكي".
فالأول شاب يواجه الرفض المجتمعي بسبب تاريخ والده الذي توفي في السجن بعد إدانته بالسرقة، ويكافح من أجل علاج والدته ورعاية أسرته، ويحمل داخله غضباً كبيراً تجاه المجتمع ووالده أيضاً.
في المقابل، يحمل زكي غضباً من نوع آخر، ناتجاً عن عدم تحقق العدالة في المجتمع، فرغم أنه رجل قانون في الأساس، فإنه لم يستطع الدفاع عن نفسه حين تعرض للحبس ظلماً بسبب دفاعه عن الحق.
وللمرة الأولى منذ سنوات في الدراما المصرية، نرى قصة درامية أساسها المعاناة المادية وقصور القانون في المجتمع، مروراً بالعديد من أوجه معاناة الحياة اليومية في مصر في السنوات الأخيرة، من ذلك معاناة" عادل" في علاج والدته وغياب التأمين الصحي عنها، والعمل في ظروف غير آدمية ومن دون رقابة، والعيش تحت تهديد دائم بالطرد من منزلهم، إلى جانب إشارات إلى قضايا أخرى مثل غياب الرقابة على الأدوية والعيادات والأغذية.
وتصل القصة في النهاية إلى القضية الأخطر: فقدان الأمل في العدالة والمسارات القانونية لتحقيقها، بحيث تبدو العدالة ممكنة فقط عبر طرق أخرى، مثل نشر فيديوهات كاميرات المراقبة على الإنترنت.
وهي إشارة واضحة إلى الواقع الحالي، حيث يلجأ كثير من المواطنين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للشكوى أو لتوثيق المخالفات والجرائم، وإلى مفارقة أوسع بين قصور القانون من جهة، والعدالة الانتقامية الفورية عبر الفضح والتشهير من جهة أخرى.
عبّر المخرج السدير مسعود عن هذه الحالة بصورة مظلمة وقاتمة في معظم مشاهد المسلسل، وفي مواقع تصوير حقيقية، ما أكمل حالة السوداوية والتشاؤم والغضب والواقعية التي سيطرت على أجواء العمل.
لكن" عين سحرية" وقع، رغم ذلك، في بعض المشكلات الاعتيادية في الدراما المصرية في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها عيوب السيناريو الناتجة عن عدم الثقة في ذكاء المتفرج أو ربما الخشية من الرقيب.
ظهر ذلك بوضوح في الحلقة الأخيرة (العمل من 15 حلقة)، التي خُصص جزء كبير منها لإعادة شرح المسلسل من جديد عبر جمل خطابية على لسان زكي وعادل، في مشاهد مطولة عن الفرق بين العدالة والقانون، وكأن المشاهد لم يفهم هذا المقصد من الأحداث السابقة ورمزياتها.
وعكست نهاية المسلسل أيضاً فجوة بين ما أراده صناع العمل وما تلقاه الجمهور، بسبب اللجوء إلى الخطابة والمباشرة لتوجيه المشاهد نحو تفسير واحد للأحداث، حتى لو جاء ذلك بطريقة ساذجة، مثل التأكيد على أن اختيار اسم عادل للشخصية يرتبط بهوسه بتحقيق العدالة.
والحقيقة أن الشخصية أقرب إلى شاب مصري عادي يضطر إلى خوض هذه المغامرة من أجل المال والنجاة وتحسين وضعه الاجتماعي والمادي.
أما زكي، فرغم كونه محامياً، فإنه يلجأ إلى الابتزاز والطرق الملتوية للانتقام من خصومه ويتستر على جرائم.
كان" عين سحرية" على بعد خطوة واحدة من أن يصبح عملاً فارقاً، لا مجرد عمل جيد، لو تركت نهايته مفتوحة للتأويل من دون تلقين المشاهد بنبرة تبدو وكأنها اعتذار عن الأفكار الجريئة التي طرحها.
ولم تضف هذه النهاية قيمة حقيقية للمسلسل بقدر ما أربكت المشاهد بمباراة كلامية مقحمة في الأحداث.
أما نقطة الضعف الأخرى فتمثلت في غياب التعاطف مع بعض الشخصيات، خاصة الثانوية منها، بسبب ضعف بنائها الدرامي.
فقد بدت بعض الشخصيات غير مؤثرة في الأحداث أو غير منطقية في ردات فعلها، مثل شخصية الطبيبة البيطرية التي تقع في حب" عادل" وتتورط معه في العمل غير القانوني من دون مقدمات كافية، وكذلك شخصية صديقه توحة الذي لا نعرف عنه سوى خفة ظله، إضافة إلى شخصية الطبيبة النفسية ابنة زكي التي تحمل غضباً مبالغاً فيه تجاه والدها لاعتقادها أنه مات.
كما عرّض المسلسل نفسه لانتقادات كان في غنى عنها حين حاولت الحلقة الأخيرة التأكيد على أنه عمل بوليسي في المقام الأول، الأمر الذي دفع بعض المشاهدين إلى التدقيق في منطقية الأحداث وصحة الإجراءات القانونية، والعثور على ثغرات في القصة.
بينما لم يكن ذلك يشغل الجمهور في الحلقات السابقة، حيث انصرف الاهتمام أكثر إلى المعاني الواقعية التي يطرحها العمل خلف الإطار البوليسي للأحداث.
ومن أبرز هذه المعاني الجريئة في المسلسل المواجهة بين الفئات المهمشة في مصر وأصحاب الامتيازات والنفوذ؛ إذ تظهر الفئة الأولى بوصف أفرادها ضحايا يحاولون النجاة في واقع قاسٍ، في مقابل فئة أخرى تتمتع بالسلطة والفساد وتحتكر القانون والعدالة.
وفي النهاية اختار" عين سحرية" أن يختزل نفسه في الدعوة إلى احترام القانون، رغم غياب العدالة، على خلاف ما عرضته أحداثه من صور واقعية للفقر واليأس والظلم والفساد.
فغياب العدالة القانونية لم يكن سوى صورة واحدة من واقع أوسع وأكثر تعقيداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك