لم يكن الهجوم الذي شنته إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية مجرد عملية عسكرية تقليدية تهدف إلى تحقيق تفوق ميداني محدود، بل كان جزءا من رهان استراتيجي أكبر يسعى إلى إحداث تحول جدري في موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.
فقد بنيت هذه العملية على فرضية الضربة الخاطفة القادرة على إرباك بنية النظام الإيراني، وإضعاف قدراته العسكرية، وخلق دينامية داخلية تدفع بالشارع الإيراني إلى الاحتجاج، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تقويض استقرار النظام وإحداث تغييرات سياسية عميقة في بنيته.
غير ان مسار الأحداث الميدانية والسياسية خلال الأيام الأولى من الحرب، وتتابع التطورات العسكرية، كشف أن هذه الحسابات لم تكن بالبساطة التي افترضها المخططون لها، فبدلا من تحقيق مكاسب سياسية سريعة، دخلت المواجهة مرحلة أكثر تعقيدا وتشابكا، لتتحول من عملية عسكرية محدودة إلى أزمة جيو سياسية مفتوحة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
وتنظر واشنطن إلى الشرق الأوسط باعتباره فضاء حيويا لأمنها الاستراتيجي ولمصالحها الاقتصادية، بينما ترى إسرائيل في القدرات العسكرية الإيرانية ولاسيما البرنامج النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية، تهديدا وجوديا يتعين القضاء عليه قبل أن يبلغ مرحلة الردع الكامل.
غير أن طهران من جهتها كانت تستعد لهذه المواجهة، فقد عملت القيادة الإيرانية على مدى عقود على بناء منظومة ردع متعددة المستويات تقوم على توسيع نطاق الصراع في حالة تعرضها لهجوم مباشر لتعويض التفوق العسكري الغير المتكافئ مع لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
وبدلا من حصر المواجهة في حدودها الإقليمية، تسعى إيران إلى تحويل الحرب إلى صراع إقليمي واسع، حيث تتوسع ساحاته على امتداد منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يرفع كلفة الحرب على خصومها ويحد من قدرتهم على تحقيق نصر سريع وحاسم حسب ما روجه الرئيس الأمريكي ترامب.
وأصبح توسيع دائرة الصراع ليشمل دول المنطقة كاملة، جزء من استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل ميدان الصراع وتحويله إلى شبكة من الأزمات المتداخلة التي يصعب التحكم في مساراتها أو التنبؤ بنتائجها.
ولا يقتصر تأثير هذه الحرب على البعد العسكري بل يمتد أيضا إلى مجال الاقتصاد العالمي، ولاسيما أسواق الطاقة، فإيران تدرك جيدا أن أحد مصادر القوة في هذا الصراع يكمن في موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يضم مضيق هرمز الذي ينقل ما يصل إلى 40% من تجارة النفط البحرية العالمية، وبأنه أهم طريق لشحن النفط في العالم، وأن أي تهديد بإغلاق هذا المضيق أو تعطيل حركة الملاحة فيه من شأنه أن يربك منظومة الطاقة العالمية ويرفع أسعارها إلى مستويات قد تلقي بضلالها على الاقتصاد العالمي.
وتزداد حساسية هذه الورقة في ظل سياق دولي، تعاني فيه أسواق الطاقة أصلا من اختلالات ناجمة عن الأزمات الجيوسياسية نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، وهو ما يجعل الاقتصادات الكبرى كالصين ودول الاتحاد الأوروبي والهند عرضة لتأثيرات مباشرة لأي اضطراب جديد في تدفق إمدادات الطاقة، وهو ما دفع الدول السبع إلى الإعلان عن الاستعانة بجزء من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية، وقرار الولايات المتحدة الأمريكية تعليق العقوبات على روسيا بما يسمح إمداد السوق الدولية من المواد الطاقية.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الحرب التي كان يراد لها أن تكون ضربة خاطفة، قد تحولت إلى اختبار معقد لإدارة الصراع في نظام دولي متغير، فبدلا من حسم سريع يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة والاقتصاد العالمي، وتصبح كل خطوة في مسار التصعيد محكومة بتوازن دقيق بين منطق القوة ومخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة قد تتجاوز حدود منطقة الشرق الأوسط.
لأن الحروب يعرف الجميع كيف تبدأ ولكن لا يعلم كيف تنتهي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك