نشأت جبهة البوليساريو في سياق تاريخي معقد، لكن الوقائع الثابتة تكشف أن مؤسسيها الأوائل كانوا في الأصل مغاربة، ينحدر كثير منهم من أسر مقاومة معروفة في الجنوب المغربي، وتلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات المغربية.
وفي بدايات حراكهم السياسي خلال مظاهرات مدينة طنطان رفعوا شعارا وطنيا مغربيا واضحا هو: “الصحراء حرة وإسبانيا برا”، وهو شعار يعكس في جوهره امتدادا طبيعيا للحركة الوطنية المغربية ضد الاستعمار الإسباني.
غير أن هذا المسار انحرف سريعا عندما دخلت حسابات إقليمية ضيقة حولت قضية تحرر إلى ورقة جيوسياسية تخدم أطرافا أخرى لا علاقة لها بمصالح الصحراويين.
لقد تأسست البوليساريو لاحقا بتنسيق واضح مع نظامي العقيد معمر القذافي وهواري بومدين، حيث وجدت الجزائر في هذه الحركة أداة استراتيجية لمناكفة المملكة المغربية وضرب استقرارها الترابي.
ففتحت لها الأراضي الجزائرية في تندوف، وقدمت لها المال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي، لتتحول الحركة تدريجيا من تنظيم يدعي الدفاع عن الصحراويين إلى ذراع تخدم أجندة إقليمية صاغتها القيادة الجزائرية ضمن صراعها الطويل مع المملكة المغربية.
دامت الحرب بين المملكة المغربية والبوليساريو ستة عشر عاما من النزاع المسلح، لكنها كشفت أيضا الطبيعة الحقيقية لقيادة الجبهة.
فبدل أن تكون حركة تحرر ذات سجل نضالي نظيف، تحولت إلى جهاز قمعي داخلي مارس انتهاكات جسيمة في حق الصحراويين أنفسهم.
وقد أصبح رصيدها الحقوقي، في نظر كثير من الشهادات والوثائق، رصيدا دمويا مثقلا بالانتهاكات والتصفية الجسدية للمعارضين.
ومن أبرز الأمثلة التي يذكرها الصحراويون قضية الصحية بونا ولد العالم وغيره من أبناء الصحراء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لمعارضتهم لهيمنة القيادة المتشددة داخل البوليساريو.
فالتاريخ الحقوقي للجبهة مليء بملفات القتل والتعذيب والاختفاء القسري، في وقت كانت فيه القيادة ترفع شعارات التحرير بينما تمارس القمع داخل المخيمات.
وتكشف شهادات متعددة عن صعود شخصيات مثيرة للجدل داخل أجهزة البوليساريو الأمنية، من بينها المدعو سلازار أو محمد السنوسي، الذي تحول من مدرس بسيط في تندوف إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بأجهزة القمع داخل الجبهة، متسلقا هرم السلطة عبر جهاز أمني ارتبط اسمه بملفات التعذيب والانتهاكات.
كما أن كثيرا من التقارير تشير إلى أن عددا من المسؤولين عن التعذيب في المعتقلات كانوا جزائريين يعملون من تندوف، ما يعزز الانطباع بأن القرار الأمني داخل المخيمات ليس صحراويا خالصا بل موجها من الخارج.
وتشير شهادات ضحايا المخيمات إلى أسماء جلادين ارتبطت بممارسات قاسية داخل السجون السرية، من بينهم سيدي أحمد البطل المدعو ” البطيل”، حيث تؤكد الروايات أن السجون والمعتقلات كانت مفتوحة لكل صحراوي يجرؤ على معارضة قيادة البوليساريو أو انتقاد هيمنة الجزائر على القرار السياسي للجبهة.
والغريب في الأمر أنه لا يكاد يوجد جزائري واحد داخل تلك المعتقلات، بينما كان الضحايا في الغالب من الصحراويين أنفسهم.
وبعد أكثر من خمسين سنة من المعاناة تحت خيام مهترئة في حمادة تندوف، حيث يعيش الأطفال والنساء والشيوخ في ظروف إنسانية قاسية، بدأت أصوات جديدة تظهر داخل المجتمع الصحراوي تطالب بإنهاء هذا الجمود السياسي.
ومن أبرز هذه المبادرات حركة “صحراويون من أجل السلام” التي برززت كتيار يدعو إلى حل واقعي للنزاع، قائم على المصالحة والتنمية بدل استمرار استغلال القضية لخدمة حسابات إقليمية ضيقة.
وفي المقابل، تقدمت المملكة المغربية سنة 2007 بمبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي ومتوازن يضمن كرامة الصحراويون داخل السيادة المغربية، وهو مقترح حظي بدعم دولي واسع باعتباره إطارا جديا وذا مصداقية.
وقد عزز مجلس الأمن هذا التوجه عبر قراراته المتتالية، وصولًا إلى القرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025 الذي أكد مرة أخرى أولوية الحل السياسي الواقعي.
ويواكب ذلك نموذج تنموي طموح في الأقاليم الجنوبية، في ظل علاقات استراتيجية متينة تجمع المملكة المغربية بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إن مستقبل النزاع يمر حتما عبر مفاوضات مباشرة بين الاطراف المعنية، وفي مقدمتها الجزاىر التي تمسك فعليا بخيوط القرار داخل البوليساريو.
كما أن الحكمة السياسية تقتضي من موريتانيا، بما تمثله من دولة شقيقة تربطها علاقات تاريخية عميقة بالمغرب، أن تعيد تقييم موقفها من الاعتراف بالبوليساريو، وأن تنظر في خيار تجميد أو سحب هذا الاعتراف بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويعزز فرص الحل الواقعي القائم على تنزيل الحكم الذاتي على أرض الواقع.
إن مشروع الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية يشكل إطاراً سياسياً متقدماً يطمئن المتشككين ويبدد المخاوف التي صنعتها سنوات من التضليل، إذ يمنح الصحراويين صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم بأنفسهم عبر مؤسسات محلية منتخبة، مع ضمان الاستفادة المباشرة من خيرات منطقتهم وتنمية مواردها لصالح أبنائها، في ظل دولة تضمن الحقوق والاستقرار.
كما يفتح الحكم الذاتي أمام الصحراويين أفقاً جديداً قوامه الرفاهية والأمن والأمان، وينقلهم من منطق العزلة والانتظار في فيافي تندوف إلى فضاء التنمية والمشاركة في بناء مستقبل مزدهر داخل المملكة المغربية، حيث تصبح الأقاليم الجنوبية مجالاً للحياة الكريمة والاستقرار بدل استمرار معاناة الخيام والوعود الفارغة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك