لا شيء يضاهي سطوة الشعار حين يهرول واثقا ليسبق الفكرة بمسافات ضوئية.
هذا حال ما يخرج من قبعة الساحر بنسعيدنعم.
سي المهدي.
ربما تعلم ونسيت أن في أدبيات السياسة العمومية، الشعار هو تعاقد مجتمعي.
قابل لأن يتحول إجرائيا لبرامج تنزله.
؟ قل.
لي إذن" كيف تصنع الحياة في المخيمات؟ "فالفكرة يا صديقي مسكينة بطبعها، تحتاج إلى مختبرات أرقام، مخططات هندسية، تقييمات مملة، وربما سنوات من العرق والاشتباك مع الواقع المعقد.
أما الشعار فيولد في رفة جفن، بكلمتين لامعتين، وكثير من التصفيق، المديح اللغوي على ورق رسمي مصقول، ليتحول برنامجك حسب شعارك الخارق فجأة إلى قصيدة زجالية قبل أن يلامس تراب الواقع.
وهنا تتجلى عبقرية التواصل في وزارة المهدي بنسعيد، حيث نجد أنفسنا أمام ثنائية سريالية لخصها" العرض التخييمي" الأخير: " رؤية جديدة لصناعة الحياة" و" عطلة وهوايات".
جملتان قصيرتان تختزلان فلسفة كاملة في تدبير قطاع الشباب، وهي فلسفة تقوم على مفارقة وجودية تجعلنا نتساءل بجدية: هل نحن أمام مخيمات صيفية تربوية أم أمام" مختبرات بيولوجية" لإعادة تدوير الكائن البشري فوق رمال الشواطئ وفي قمم الجبال وتخوم الغاب؟حين يرفع الوزير الوسيم سقف الطموح إلى مستوى" صناعة الحياة"، فإنه يضع نفسه، ربما دون وعي، في مقام" بروميثيوس" الذي سرق النار ليمنح الوجود معناه، أو في أحسن الأحوال يتقمص دور جراح تجميل يحاول إعادة رسم ملامح الجيل القادم بمبضع البلاغة.
إنها استعارة ثقيلة الوزن لدرجة أنها قد تكسر ظهر أي برنامج حكومي، فالحياة يا صديقي الوزير ليست مادة خام يتم صبها في قوالب بلاستيكية داخل ورشات الوزارة لتخرج في نهاية غشت على شكل" منتج وطني" جاهز للاستعمال بضمانة حكومية.
الحياة تعاش في زحام المحكات، وفي قلق الامتحانات، وفي مرارة الانتظار أمام أبواب الشغل المغلقة، وفي البحث المضني عن الذات وسط ركام الأزمات الاقتصادية، وليست قطعة أثاث تربوية تجمع بالمفكات والبراغي في مخيم جبلي أو شاطئي.
هذا التضخم في البلاغة الرسمية يحول" المخيم" من فضاء بسيط للتربية غير النظامية والتعايش الجماعي إلى مشروع كوني لإعادة تشكيل الوجود، وهو طموح إداري يثير الشفقة بقدر ما يثير الضحك، فإذا كان بمقدور الوزارة" صناعة الحياة" في أسبوعين، فربما وجب علينا إغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات الاجتماعية، والاكتفاء بـ" فرن" بنسعيد الصيفي الذي يخبز لنا مواطنين كاملين الدسم في وقت قياسي وبأقل ميزانية ممكنة.
الواقع أن هذه" الصناعة" المزعومة تصطدم بحقيقة أن الوزارة تعجز أحيانا عن توفير" صناعة الوجبات" اللائقة أو" صناعة النقل" الآمن لمئات الأطفال، فكيف لها أن تجسر الهوة نحو صناعة الحياة؟ إن استسهال المصطلحات الكبرى هو مرض السياسات التي تقتات على الصور في" إنستغرام" و" فيسبوك".
الوزير بنسعيد، بصفته وافدا من خلفية تواصلية، يبدو مسكونا ب" خطاب البروباغندا" أكثر من انشغاله ب" الحكامة العقلانية".
هو يريد منتجا يمكن تسويقه دوليا، بشعارات تصلح لتكون عناوين رئيسة في اللقاءات والمنتديات، لكنه ينسى أن الشباب المغربي لا يبحث عن" مصنع" يعيد إنتاجه، بل يبحث عن" أوكسجين" الحرية والكرامة والفرص المتكافئة.
إن إقحام مفهوم الصناعة في الحياة الإنسانية هو تجسيد لليبرالية متوحشة تغلغلت حتى في الخطاب التربوي، حيث يصبح الطفل" مادة أولية" والمنشط" عامل إنتاج" والمخيم" وحدة تصنيع"، وفي النهاية ننتظر خروج" منتج" يصفق للشعارات ويمارس هواياته في صمت مطبق.
الكوميديا السوداء تكتمل وتصل ذروتها حين يسقط هذا التضخم الفلسفي فجأة ليرتطم بشعار" عطلة وهوايات".
هنا يحدث الانزلاق من" صناعة الوجود" إلى حصة" الكولاج" والأعمال اليدوية البسيطة.
فبعد أن أوهمنا الشعار الأول بأننا بصدد هندسة جينية للقيم الكبرى وبناء إنسان مغربي جديد، يأتي الشعار الثاني ليخبرنا، بكثير من التواضع المفاجئ، أن الأمر لا يتعدى في جوهره تزجية الوقت وتمضية العطلة وممارسة بعض الهوايات التي قد لا تتعدى لعب الكرة أو الرسم على الرمل.
هذا الإرباك اللغوي بين" الميتافيزيقا" و" التنشيط السياحي" تكشف عن عجز بنيوي في صياغة رؤية رصينة وموحدة.
فالمخيم في ذهن الوزير تارة هو" مفاعل نووي" لإنتاج القيم، وتارة هو مجرد" ورشة" للألعاب الصيفية.
بين هذا وذاك تضيع القيمة الحقيقية للتخييم، تلك التجربة الإنسانية البسيطة والعميقة التي يتعلم فيها الطفل كيف يقتسم رغيف الخبز مع غريب من جهة أخرى، وكيف يغسل صحنه بنفسه لأول مرة، وكيف يكتشف استقلاليته بعيدا عن حضن الأم.
وهذا ليس صناعة للحياة.
لأننا أحياء.
بل تدبير الحياة وفق ما توفره الحياة.
فالحياة لا تصنع.
بل تعاش وفق مهارات نتعلمها يوما عن يوم.
إن الشباب المغربي، ياصديقي الوزير، لا ينتظر من مسؤول أن" يصنع" له حياته، فهو يعيشها فعليا في الهوامش وبصيغ بديلة ومبدعة، وفي" القهر" الجماعي والهروب نحو المجهول أحيانا، بل ينتظر فضاءات تحترم ذكاءه، وبرامج جادة تمنحه أدوات العيش لا خطابات" تلفيف" الوجود في جمل رنانة.
إن السياسة الناجحة لا تقاس بطول النفس في صياغة الشعارات الفضفاضة، بل بقدرتها على التواضع أمام الواقع العنيد.
فالحياة تعاش بكرامة في الملاعب والقاعات السينمائية ودور الشباب المهجورة التي تنتظر" صناعة" حقيقية لروحها، لا فقط صباغة واجهاتها لاستقبال الوفود الرسمية.
إن الاستثمار في" بلاغة المخيمات" هو أسهل الطرق للهروب من استحقاقات" واقع الشباب"، حيث البطالة والشعور بالاغتراب لا يمكن حلهما بـ" ورشة هوايات" في غشت.
يبدو صديقي الوزير بنسعيد يراهن على ذاكرة سمكية للجمهور، حيث يمحو شعار السنة القادمة إخفاقات شعار السنة الماضية.
لكن الحقيقة تظل ساطعة كشمس الصيف فوق خيام الوزارة: الحياة لا تصنع في المكاتب المكيفة تحت ضغط" الأجندة الانتخابية" أو الرغبة في الظهور بمظهر الحداثي المنفتح على الآخر.
الحياة تنبثق من السياسات التي تضمن العدالة في توزيع المكتسبات، والشفافية في تدبير الصفقات المرتبطة بهذا" العرض التخييمي" الضخم.
فإذا كانت الوزارة جادة في" صناعة الحياة"، فلتصنع لنا أولا نظاما يحمي الطفل في المخيمات من ملل بنيوي بيداغوجي، ويحمي المنشط من الاستغلال.
حيث يشتغل دون أجر ويحاسب كموظف، ويحمي المال العام من" تبديد" البلاغة الجوفاء.
غير ذلك، سيبقى الأمر مجرد" عطلة وهوايات" يمارسها الوزير في فن الخطابة، بينما يستمر الشباب في صناعة حياتهم الخاصة بعيدا عن طاولات المختبرات الحكومية، وبقليل أقل من البلاغة المبالغ فيها التي لا تشبع جوعا ولا تؤمن من خوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك