أجمل ما في «نرجس» واقعيتها؛ وأصدق ما فيها أنها شخصية من لحم ودم وليست شخصية درامية وهمية مثل تلك التي نقابلها كثيرا على الشاشة مؤخرا، ولا تمت لواقعنا بصلة؛ «نرجس»، في مسلسلها الذي حمل اسمها، إنسانة طبيعية جداً، تعيش مع زوج راح يحقق حلمه بالإنجاب من زوجة أخرى بعدما أراد القدر حرمانها من نعمة الإنجاب؛ إلى هنا والأمور تبدو طبيعية، وعلى المرأة الاختيار ما بين الانفصال عن زوجها ليكمل حياته مع من اختارها لتحقيق هدفه أو الاستمرار زوجةً له حسب عادات بعض المناطق فى مصر بأحقية الرجل في الزواج من أخرى فى حال عدم إنجاب زوجته الأولى، وربما يصل الأمر أحياناً إلى قبول الزوجة الأولى بأن تعيش مع الزوجة الثانية فى نفس المنزل حرصاً منها على استمرار واستقرار حياتها الأسرية؛ لكن نرجس ليست النموذج الأول ولا الثانى فى دراما حياتها؛ نرجس كانت نموذجاً لمقولة «كلنا أسوياء حتى يأتينا الاختبار».
فتحولت تلك الفتاة السوية بعد قرار زوجها وتأكدها من عدم القدرة على الإنجاب إلى شيطان يتفنن فى ابتكار طرق الانتقام من زوجها ومن المجتمع، غير راضية نهائياً عن ما كتب القدر لها؛ فأوقعت بفريستها الأولى «زوجها عونى» الرجل صاحب الإعاقة الذى لم يصدق نفسه عندما وافقت نرجس على الزواج منه؛ وكانت تعرف هى من البداية أنها فى حاجة لزوج بمواصفات «عونى» يوافقها فيما بعد على تنفيذ مخططها الشيطانى؛ تحولت نرجس من فتاة عادية إلى هذا الشيطان الذى يقضى ليله فى التفكير فى شكل الانتقام المناسب من المجتمع الذى «ظلمه»، فقررت فى البداية تأهيل «عونى» نفسياً للسيطرة عليه من خلال مخططها المحكم؛ خاصة بعدما أخبره زوجها الأول فى ليلة زفافهما بأنها غير قادرة على الإنجاب؛ هنا بدأت خيوط اللعبة تكتمل فى خيال نرجس؛ فقامت على الفور بتزوير «تحاليل» لها بقدرتها على الإنجاب؛ وتلاعبت فى «تحاليل» عونى وجعلته رجلاً مصاباً بالعقم؛ ولتُكمل حكايتها أقنعت نرجس زوجها بأنها من أجل مصلحته وصورته أمام المجتمع فإنها قررت تبنِّى طفل من دار أيتام وإيهام الجميع أنهما أنجباه؛ ووافقها عونى، وبدأت نرجس فى إقناع الجميع بأنها «حامل» واستعدت بكامل عدتها من أجل موعد الولادة الوهمية، لكنهما فوجئا برفض طلبهما من إدارة الدار؛ ورغم الألم الذى أصابها وجدت منفذاً من خلال سيدة اتفقت معها على بيع طفل لها ممن يتم إلقاؤهم أمام باب الدار؛ إلا أن السيدة يتم القبض عليها قبل موعد ولادتها «المزعوم» مباشرة؛ وكانت لحظة الاختبار الحقيقى الذى رسبت فيه نرجس باقتدار؛ بعدما قررت الخوض فى تجربتها دون النظر إلى أية اعتبارات إنسانية وكأنها شيطان يمشى بين الناس؛ فقامت بخطف رضيع من جوار أمه فى أحد الأسواق وذهبت به إلى منزلها وأخبرت الجميع أنها «وضعت صبياً أسمته يوسف».
صدّق الجميع واحتفلوا بها، إلا زوجها الذى كان على شك من سلوكها وأن الولد ليس المتبنَّى من دار الأيتام؛ ولأن الشيطان لا يكتفى من فعل الشرور، كذلك سوَّلت نفس نرجس لها الاستمرار فى هذا العمل المجرَّم بخطف الأطفال، وكأن الأمر أصبح أسهل، سواء فى التفكير فيه أو تنفيذه؛ فما كانت إلا كلمة بسيطة قالها ابنها «المخطوف»: «ماما، أنا عايز أخ ألعب معاه»، لتنطلق نرجس مسرعة إلى عونى، وبكل بجاحة الأشرار، قائلة: «عايزين نخاوى يوسف»؛ قالتها وكأنها بالفعل تستطيع الحمل والولادة وجلب أخ لصغيرها؛ إلا أنها كانت قد أعدت عدتها لخطف طفل جديد من «حضانة مستشفى» وقد حدث.
كل ما يحدث فى حياة نرجس هى تراه حقها المشروع فى أن تعيش «أُمّاً» وأنها كانت ضحية لمجتمع ولزوج لمجرد أنها خُلقت «عاقراً»؛ لكن حقيقة الأمر أن «نفس نرجس» الضعيفة المريضة هى التى سوّلت لها كل تلك الشرور والآثام التى اقترفتها لدرجة البرود الشديد وهى تقوم بخطف طفل من جوار والدته وحرمانها منه طوال حياتها.
وهنا ربما تكمن عبقرية مسلسل «حكاية نرجس»، هل كانت نرجس بالفعل شخصية ضعيفة وشريرة بالفطرة لتُخرج هذا الكم من الغل والشر على من حولها؛ أم أنها شخصية عادية تعيش بيننا كانت سوية طالما لم تتعرض لاختبار؟ ؛ هى لم تستطع تجاوز اختبارها الصعب فظهر ضعف شخصيتها وميلها للشر، وهو ما يعود بنا لنقطة البداية، أن الحكم الإنسانى لا يمكن أن يُبنى مجرداً من الاختبار؛ وعند الاختبار الصعب فقط يمكن معرفة معدن الإنسان الحقيقى بقدرته على تقبُّل القدر والصبر عليه، لا بالمقت والتمرد والتحالف مع الشيطان بسبب ضعف الأنفس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك