في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والخدماتية في جنوب ليبيا تلجأ عشرات الأسر إلى العاصمة طرابلس بحثاً عن الأمن وفرص العمل، لكنها تتشدد غالباً في السكن للحفاظ على أساليب الحياة التي اعتادت عليها ولا تريد تغييرها تحت ضغط الانتقال إلى مكان آخر، فتتعمّد بعضها العيش قرب بعض، وتشكل من ثم بؤراً سكانية على هامش مناطق العاصمة، تحديداً في جنوبها وجنوبها الشرقي.
في وادي الربيع جنوبي طرابلس يسكن مهدي بالخير الذي ترك منزله في سبها (جنوب) قبل أكثر من ثلاث سنوات، ويعيش قرب عدد من الأسر التي نزحت من سبها للبحث عن ظروف أكثر أماناً واستقراراً.
ويقول بالخير لـ" العربي الجديد": " بات الوضع الأمني في غالبية مناطق الجنوب مقلقاً، ولا مؤشرات لتعافٍ خلال فترة قريبة في ظل تكاثر التجمعات السكانية للمهاجرين غير الشرعيين، وتحكّم مجموعات مسلحة في تفاصيل حياة الناس وتأثيراتها السلبية الكبيرة عليهم".
ويتحدث بالخير عن أن انتقاله للعيش في طرابلس" خيار مناسب لأن فرص العمل أكثر توفراً، خصوصاً في تجارة المواد الغذائية التي أعمل فيها وتزدهر في أسواق الجملة بالعاصمة.
كما يعمل أصدقاء لي في المجال نفسه أو في مجالات أخرى قريبة بعدما سبقوني في الانتقال إلى طرابلس التي توفر أيضاً فرصاً أفضل لدراسة أولادي في المدارس والجامعات".
ويوضح أحمد بن مسكين الذي ترك مسقط رأسه في مدينة مرزق (جنوب) حيث كان يدير مزرعة، في حديثه إلى" العربي الجديد"، أن" تكاليف الإنتاج الزراعي أصبحت باهظة جداً بسبب غلاء المعدات والمواد الزراعية، كما بدأ الإنتاج نفسه يفقد جدواه الاقتصادية نتيجة ضعف الطلب، ما جعل استمراري في العمل شبه مستحيل، ثم وجدت فرصة في تجارة البذور الزراعية التي تلقى رواجاً وتنشط في الغرب، وترتبط أسواقها بشرق البلاد.
وأنا مرتاح نسبياً لأنني أسكن في حي الزطارنة حيث يُقيم عدد كبير من سكان الجنوب.
ويتشارك بالخير وبن مسكين رأي كثيرين من أبناء الأسر الجنوبية الذين يحددون أسباب النزوح إلى العاصمة طرابلس بتدهور الوضع الأمني وغياب الخدمات المعيشية، وأيضاً بانهيار المنظومة الصحية والتعليمية وتوقف كثير من المصارف عن العمل، وعدم القدرة على التزود بالوقود إلا من السوق السوداء، وتضاعف الأسعار حتى تلك للمؤن الأساسية.
وهما يتفقان أيضاً مع كثيرين على اعتبار البؤر السكانية التي تجمع أشخاصاً من الأصل الاجتماعي نفسه من بين الدوافع الرئيسية للاستقرار في طرابلس، لأن العيش في هذه التجمعات والبيئة المتقاربة يسمح بالإفادة من شبكات اجتماعية داعمة، وهو ما يحصل في أحياء عين زاره ووادي الربيع جنوبي العاصمة طرابلس وجنوب شرقها، ما يخلق صلات اجتماعية مستمرة تقي الأسر وأطفالها من الذوبان في ثقافات وتقاليد المدينة".
وبينما تظهر هذه التجمعات السكانية بوضوح حتى في مقاهٍ يعتاد سكان الجنوب على التردد عليها دون غيرها من أجل الحفاظ على صلاتهم الاجتماعية، تلفت الأكاديمية وأستاذة الخدمة الاجتماعية، إنعام بوغالية، في حديثها لـ" العربي الجديد"، إلى أن" انتقال سكان الجنوب إلى الغرب والشرق، وآخرين من غرب ليبيا إلى شرقها وبالعكس، أمر مألوف يمثل تحوّلاً اجتماعياً متشابكاً أكثر من انتقال جغرافي لأفراد".
تتابع: " توفر التجمعات المناطقية للنازحين الشعور بالأمان النفسي والاجتماعي، لكنها تقيّد في الوقت ذاته اندماجهم في المجتمع الجديد، فتتحوّل الروابط الأصلية إلى عامل أساسي للحياة اليومية وضمان التماسك الاجتماعي".
تضيف: " يمكن وصف هذا النوع من النزوح بأنه متحفظ، فهو انتقال إلى المدن الكبرى التي يمكن فيها بناء شبكات اجتماعية واسعة، بخلاف المناطق الأخرى الشمالية التي تتوفر فيها سبل العيش الآمن، لكن ربما يحدث فيها تصنيف اجتماعي لمجموعات النازحين.
وهذا النوع من النزوح قد يعيد إنتاج النسيج الاجتماعي بطريقة جديدة، فآلية التقارب في السكن قد تحافظ على الانتماء الأصلي، لكنها قد تهدد أيضاً بتماهي جيل الشباب من النازحين مع حياة المنطقة الجديدة مع مرور الوقت.
لا شك في أن التقارب السكاني محاولة للحفاظ على الروابط الاجتماعية، لكن الأطفال والشباب الذين ينشؤون في التجمعات الحضرية قد يتبنون أسلوب حياة مختلفاً يولّد فجوة ثقافية بين الجيلين القديم والجديد، ويؤدي ربما إلى رفض العودة إلى الجنوب حتى إذا تحسنت الظروف هناك، وهو ما يمكن أن يستبعده هؤلاء النازحون من تفكيرهم على المديين المتوسط والبعيد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك