في قلب المأساة التي تعيشها منطقتنا اليوم، وقد بلغت ذُرى يصعب تخيّلها، لا بدّ أن يخطر لنا السؤال: لِمَ لا تقف القوّةُ أبداً في جانب الخير، حيث تُدمَّر مدنٌ بأكملها وتُحوَّل أجسادٌ بريئةٌ إلى أرقام في تقارير تحتسبها" أضراراً جانبية"؟ فالحروب لا تنتهي حتى بعد وقف إطلاق النار، وجراحها لا تُشفى، وندوبها تستمرّ عبر الأجيال، مضعفةً الإيمان بفكرة الخير، في مقابل تسيّد مطلق للشرّ لارتباطه بالقوّة.
في عرض" إيقاع صفر" الذي أقامته الصربية مارينا أبراموفيتش، في نابولي عام 1974، وقفت فنّانة الأداء ستَّ ساعات جامدةً بلا حركة، أمام طاولة عُرضت فوقها 72 أداةً تنوّعت بين وردة ومسدّس محشوّ، وأعلنت: " أنا موضوع.
يمكنكم استعمال هذه الأدوات عليّ كما تشاؤون".
في البداية، راح الجمهور يتصرّف بلطف حيالها، ثم انتقل، بعد حين، إلى تمزيق ملابسها بالمشرط، وغرز الشوك في بطنها، انتهاءً بتوجيه المسدّس إلى رأسها، إلى أن نزعه أحدهم وحيّده.
عند انتهاء العرض، تفرّق الحاضرون خائفين ممّا فعلوه بامرأة سمحت لهم بكلّ شيء.
وبهذا، كشف العرض قابلية البشر للأذى حين يُسمح لهم وتُرفع عنهم الرقابة.
وقد علّقت أبراموفيتش حينذاك: " إذا تركتَ الجمهور يقرّر، فهو يقتلك".
أجل، لقد شارك الجميع، إلا أن أحداً منهم لم يشعر فردياً بالذنب حين كانوا" جزءاً من العمل"، وقد منحتهم اللافتة إذناً جماعياً.
هذا ينطبق أيضاً على آلية الحروب الحديثة، فيبدأ العنف بنزع الإنسانية عن الضحية وتركيب صورة العدو من خلال ترويج دعاية: إنهم" إرهابيون"، " حيوانات بشرية".
إلخ.
هكذا ينفي الجندي مسؤوليته تحت ذريعة" الأوامر"، يتحوّل المدنيّ" خطأً إحصائيّاً"، والجسدُ هدفاً رقمياً.
وبالعودة إلى السؤال أعلاه؛ لِمَ لا تقف القوّة الى جانب الخير أبداً؟ ربّما وجب التدقيق في معنى" القوّة" أصلاً.
فكما يشرح نيتشه، إن ما يظهر في التاريخ بوصفه قوة، ربّما كان في العمق شكلها الفقير الذي يحتاج التدميرَ كي يثبت ذاته.
فالقوّة الحقيقية، برأيه، والقوّة الأعمق، تتجلّى في القدرة على خلق معنى جديد للحياة، لا في سحق الآخرين.
وقد لا تكمن المشكلة في أن القوّة لا تختار الخيرَ، بل في أن ما يتكرّر في التاريخ من حروب وإبادات ومجازر، إنما يجسّد القوّة في صورتها الأكثر ضيقاً وخوفاً.
في نابولي، كاد الجمهور أن يقتل مارينا بما سلّمته من سلطة؛ في الحروب، تسلّم الدولُ سلطة القتل لجيوشها، وتبرّر فظاعاتها بـ" ضرورة الحفاظ على أمنها".
والحال أن القوّة الحقيقية ستظهر حين يخلق الإنسانُ قيماً تتجاوز الخوف والدمار، لكن، هل حقّاً ستظهر يوماً؟ثمّة من سيبحث عن الإجابة في تلك المساحة الهشّة التي لا تُرى في سجلّات الحروب وبيانات النصر والهزيمة.
فالتاريخ، يكتبه الغالبون والمنتصرون والأقوياء، وفيه تُحصى الخسائر والمدن المدمّرة والقتلى.
ما لا يُحصى هو عدد المرّات التي اختار فيها إنسانٌ، وسط الخراب، ألّا يتحول جلاداً: جنديٌّ رفض إطلاق النار، وطبيبٌ عالج عدوّاً.
بالطبع، لا تبدّل هذه الأفعال مسار المعارك، لكنها تذكّرنا بأن الخير لم يختفِ تماماً، وإن بقي بلا جيوش ولا دعاية.
في هذا الهامش الصغير ربّما يولد معنى آخر لقوةٍ لا تُقاس بالإخضاع والقمع.
ولعلّ القوّة التي تقف في جانب الخير لا تظهر في صورة إمبراطوريات أو انتصارات عسكرية، بل في قدرة البشر على النجاة من منطق القسوة الذي يحاصرهم.
قوة هادئة تمنع العالم من السقوط الكامل، إنها الاحتمال الوحيد الذي ربّما يطرح سؤالاً آخر: لماذا، وبرغم هذا السواد كلّه، ما زلنا نأمل في الخير خيراً؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك