من أعظم الصفات التي يمكن أن يتحلّى بها الإنسان هو (الصبر)، تلك الصفة التي لا يتمتع بها إلا القليل من الناس، والتي تسمح لنا بأن نحتفظ بهدوء أعصابنا عند التعرّض للضغوط، سواء كانت الضغوط خارجية ناتجة عن حياتنا المليئة بالعمل وكثرة الأزمات والمفاجآت والانشغالات، أو الضغوط الداخلية التي يولّدها الغضب بشتى أنواعه حتى في الحوارات والنقاشات والمناكفات، فالصبر يخفف من الإجهاد الواقع على الجهاز العصبي، ويقلل من السرعة التي يعمل بها هذا الجهاز العصبي، ويجعله يستريح، فالصبر يمكن أن يبطئ من إيقاع حياتنا السريعة، ويجعلنا في حالة من الطمأنينة الذاتية.
والصبر قد يصبح تجربتنا الداخلية حيث يشبه ببحيرة ساكنة وليس كنهر ثائر، وبدون الصبر لا يمكننا أن نتعلم من الدروس التي تلقي بها الحياة علينا، حيث لا نكون ناضجين بدون الصبر، وحتى لا نبقى سريعي الغضب والانفعال، ونصبح غير قادرين على العمل بأي شكل من أشكال الإخلاص في اتجاه ما نريده حقًا ونسعى إليه، وإذا كنا نريد أن نحيا حياة أكثر رحابة وعمقًا، يتعين علينا أن نتحلّى بالصبر مع أنفسنا ومع الآخرين ومع الأحداث الكبيرة والصغيرة، فالحياة لا تخلو من الأزمات بشتى أنواعها، إننا قادرون أن نتحلّى بالصبر لأن الصبر صفة إنسانية بالإمكان تقويتها، فكيف استطعنا اجتياز المراحل الدراسية والجامعية المختلفة.
وكيف عثرنا على فرص العمل، فالصبر مثل عضلات الجسم، فكلنا لديه عضلات، ولكن بعض الناس أقوى من البعض الآخر لأنهم يمارسون التدريبات الرياضية، ونفس الشيء ينطبق على الصبر، فبعض الناس ربما يكونون أكثر قدرة على الصبر من الآخرين، ولكننا جميعًا قادرون على اكتساب المزيد منه بالممارسة والتدريب، فالصبر يمنحنا الإصرار والمثابرة، والقدرة على العمل بثبات في سبيل تحقيق أحلامنا وأهدافنا، فأن نبقى هادئين من الداخل مهما كان يحدث خارجنا، ونثق في قدرتنا على التعامل مع أي شيء يعترض طريقنا، حيث تلك الثقة تمنحنا الطمأنينة والراحة، فعلينا أن نستجيب لتحديات الحياة بشجاعة وقوة وتفاؤل، فمن منا لا يتعرض إلى الأزمات في حياته.
فهذه محن قد نصادفها في خلال رحلة حياتنا، فهي جزء لا يتجزأ من حياتنا، وعلينا أن لا نصعّب المسألة أكثر بأن نضيف إليها مشاعر الحقد أو اليأس، بل علينا أن نعمل على معالجة هذه الأزمات، فعندما نتحلّى بالصبر نحيا بتناغم وانسجام مع الإيقاع الطبيعي للحياة، ونتذكر أن لكل شيء فصله وموسمه، صيف، شتاء، خريف، فهذا هو ناموس الحياة، إن الإنسان منظومة حية، جزء من الطبيعة، وهو معرّض لدوراتها، فالصبر يساعدنا على أن نتخذ قرارات أفضل، لأنه يجعلنا في معزل عن التخيلات المروعة التي تفسد رأينا وحكمنا، إلا الشقاء والتشرّد والتعاسة.
وكم حضارة سقطت لأنها افتقدت العدل، وكم أمة تمزقت لأنها فرّطت في قيم الرحمة والتآخي والتماسك في ظل المؤامرات، فلقد علّمتنا التجربة أن الكلمات مهما بلغت بلاغتها تبقى خاوية إن لم تسندها الأفعال الصادقة، فالله سبحانه وتعالى لم يجعل معيار التفاضل كثرة الادعاء، بل صدق العمل، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون )، ومن هنا كانت المواقف هي الميزان الحقيقي للناس، تكشف من يصمد في العسر قبل اليسر، ومن يحضر عند الحاجة لا عند المصلحة، فالحياة بلا حب قسوة، وبلا وفاء خواء، وبلا إخلاص صراع دائم.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك