«التوعية الأسرية في القرآن من خلال وصايا الحكيم لقمان»الحمد لله أسبغ علينا نعمته، ووهب من يشاء من عباده حكمته، والصلاة والسلام على من ختم الله به رسالته، صلاة وسلاماً يشملان آله وصحبه وأُمتَه.
وبعد: فإن القرآن العظيم تضمن توجيهات تربوية وتوعوية، ونماذج تعتبر مفاتيح وأسساً في التربية، ومن أبرزها تلكم الوصايا اللقمانية، التي وردت مجتمعة في آيات متوالية يسهل حفظها وفهمها، تميزت بأسلوب وعظي في نداء عاطفي نابع من رحمة الأبوة، المتجلية في استعمال لفظ البنوّة؛ ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ﴾ [لقمان: 13]، وما أحوج أبناءنا إلى المواعظ داخل الأسرة بأسلوب الرحمة والعطف، لتنمية الوعي لديهم على عدة مستويات، وفي لقمان الحكيم رحمه الله قدوة، حيث ركّز على قيم تربوية عظيمة في وصيته تنمي الوعي لدى الفرد في أبرز جوانب الحياة، يمكن إبرازها في العناوين التالية: * الوعي العقدي: يتجلى هذا في قوله: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، وتظهر ثمرة الوعي العقدي في التخلص من الخرافات والضلالات العقدية، التي يصدر عنها السلوك الإنساني في المجتمعات؛ لأن كل سلوك ينشأ من منطلقات الاعتقادات الداخلية، وكلما كان الوعي العقدي لدى الفرد سليماً وربانياً خالياً من الشوائب والبدع، وبعيداً عن المعتقدات الفاسدة كان ذلك الفرد صالحاً في مجتمعه مؤثراً فيه بالصلاح، ولا يوجد وعي عقدي متزن وسليم مثل عقيدة أهل السنة والجماعة.
* الوعي الرقابي: مأخوذ من قوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16]، والمراد بالوعي الرقابي: تنمية حس الرقابة الذاتية لدى الفرد داخل الأسرة ليعيش بذلك في كل جوانب حياته، والمسلم ينمو عنده هذا الحس من خلال الحرص على تحقيق درجة الإحسان؛ حيث يراقب ربه في كل تصرفاته؛ يراقب عظمته سبحانه ونظره إليه، كما بين نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: ((الإحسان: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) رواه الشيخان، وهذه منزلة في مقام المراقبة، ولتقريب مفهومها نضرب مثالاً بالصيام؛ لو شاء العبد لاختبأ وأكل وشرب، لكن حس المراقبة لله يمنعه، حيث يوقن أن الله يراه حيثما حل وارتحل.
* الوعي السلوكي: في قوله: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: 17]، وهذا يزرع في الفرد تحمل المسؤولية والقيام بالواجب، والانضباط والالتزام، فأداء الصلاة في وقتها، والقيام بالواجبات الأخرى في وقتها على الصفة المطلوبة دون رقابة بشرية يزرع هذه القيم فيه.
* الوعي الإصلاحي: وهذا مقصود في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، إن المسلم لا يعيش منفرداً ومنقطعاً عن أمته، بل لابد أن يكون له أثر طيب في مجتمعه، وذلك بالإصلاح لأنه مستخلف، ولا يتحقق الاستخلاف إلا بالإصلاح، سواء عن طريق التوجيه اللفظي أو غيره، وتنمية الوعي الإصلاحي هو زرع لحس الانتماء إلى المجتمع والأمة، والانسجام داخله مع الحفاظ على قيمة الصبر بين أفراده، لاسيما عند الإصلاح.
* الوعي الاجتماعي: وذلك في وصيته الأخيرة: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾.
وهذا وعي بالسلوك الاجتماعي، من خلال قيمتين: التواضع للخلق، والتواصل الأدبي معهم.
والمتأمل في كل هذه القيم التوعوية يجدها لا تستقيم إلا بالوعي العقدي، فهو الأساس وهو المنطلق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك