العربي الجديد - كأس عالم أكثر سرعة وعدالة العربي الجديد - اجتماع إسرائيلي بشأن وقف النار وسط تصعيد ميداني في الجنوب التلفزيون العربي - زيلينسكي يقترح لقاء بوتين ووقف إطلاق النار العربي الجديد - نجم العراق يخادع حارس إسبانيا... وأرنولد يكشف أخطاء دي لا فوينتي العربي الجديد - ركلة جزاء لم تحتسب لإسبانيا أمام العراق. الجزيرة نت - بعقد لغاية 2029.. القادسية السعودي يخطف موهبة مغربية من أوروبا الجزيرة نت - مسلسل واحد أعاد فتح ملف الحجاب.. لماذا انقسم الأتراك حول "شعلة"؟ إيلاف - السودان يتصدر قائمة الأزمات الإنسانية الأكثر إهمالاً في العالم وكالة سبوتنيك - السفارة الروسية بالجزائر تحتفل باليوم الوطني الروسي CNN بالعربية - هل قتل إيران لجنود أمريكيين سيكون مبرراً لاستئناف الحرب؟
عامة

الهلوسة الجبريّة: هل الترجمة السيئة تخصص يساري؟

القدس العربي
القدس العربي منذ شهرين
2

تلعب الهلوسة دوراً مهماً، وربما أكثر مما يتصوّره كثيرون، في التصورات السياسية والأيديولوجية والثقافية في أي مجتمع بشري، وإذا كان تعريفها المعتمد هو: «إدراك حسّي يحدث في غياب مثير خارجي مناسب، ويتسم با...

ملخص مرصد
الهلوسة الجبريّة: هل الترجمة السيئة تخصص يساري؟ يناقش المقال دور الهلوسة في التصورات السياسية والأيديولوجية، ويطرح سؤالاً عن هلوسة ما يسمى "يساراً" في الدول الناطقة بالعربية، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم مثل "الإمبريالية" و"التحرر الوطني".
  • الهلوسة قد تكون نمطاً من الرؤيا أو الخيال تحمل حقيقتها الخاصة
  • ثلاثة عناصر لتصنيف ظاهرة ما كهلوسة: غياب المرجعية، مقاومة التصحيح، واستقلالها عن التجربة
  • اليسار المهلوس يقدم الإسلام السياسي كـ"تقدمي موضوعي" دون تدخل فاعلين واعين
من: كتاب وممثلو ما صُنّف في الشرط العربي "يساراً" أين: الدول الناطقة بالعربية

تلعب الهلوسة دوراً مهماً، وربما أكثر مما يتصوّره كثيرون، في التصورات السياسية والأيديولوجية والثقافية في أي مجتمع بشري، وإذا كان تعريفها المعتمد هو: «إدراك حسّي يحدث في غياب مثير خارجي مناسب، ويتسم بالوضوح الحسي والإدراكي، من دون أن يكون خاضعاً للسيطرة الإرادية للشخص»، فهذا لا يعني بالضرورة أنها ظاهرة سلبية أو مرضيّة، فقد تكون الهلوسة نمطاً من الرؤيا أو الخيال أو الإدراك الخاص، تحمل حقيقتها الخاصة، ليس فقط بالنسبة للمهلوس، بل أيضاً لمجتمعه، وفي إطاره الثقافي.

ربما يكون كثير من الأفكار الملهمة، والتغيرات الاجتماعية الكبرى، بدأت بهلوسة.

كذلك فإن «المثير الخارجي المناسب»، الذي يفترضه تعريف الهلوسة، إشكالي تعريفاً، فبعيداً عن المؤثرات الفيزيائية المباشرة، قد نشعر بمدركات حسيّة، تحوي الألم أو النشوة، وتجعلنا نسمع ونرى أشياء، بناء على تهيؤات فكرية وأيديولوجية ورمزية، نعتبرها صحيحة ومناسبة، فيما لا أصل «خارجياً» صحيحاً لها، كأن نرى، بإلحاح ووضوح قهري، أن الآخرين يتأمرون علينا أو يستفزوننا عمداً، لمجرّد أنهم لا يلتزمون بقيمنا وأنماط حياتنا، أو يرفضون ذلك.

ما المناسب أو غير المناسب في هذا «المثير الخارجي»؟ هذا سؤال ثقافي واجتماعي، قبل أن يكون نفسياً، ويبيّن الدور الذي تلعبه الهلوسة في كل منظومة ثقافية.

كثيرٌ من هلوساتنا قد تكون تركيبات تاريخية واجتماعية معقدة، نعيد إنتاجها، أو نفشل بذلك، ما يؤدي إلى تغيّرات غير مألوفة في الإدراك، فعندما تفشل شبكتنا الرمزية في استيعاب الوقائع، وإعطائها المعنى التواصلي المناسب، يبرز «واقع» جديد، صادم ومفاجئ، قد يمكن اعتباره هلوسة.

سبق للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز القول: نحن لا نهلوس عن ذواتنا وعوائلنا، بل عن شعوب وقبائل وتاريخ.

«الموضوع» في الهلوسة موجود دائماً، يبقى السؤال عن ماهيته، وكيفية ظهوره، ومعناه، وأسلوب التعامل معه، أما تصور عن «واقع» تام، من دون هلاوس، قابل للظهور والتأثير كما هو، فهو تصور غير «واقعي»، وربما يكون مهلوساً بدوره.

إلا أن الهلوسة قد تكون في قمة الابتذال، وتفاهة المعنى، بل قد تكون إجرامية، وقاتلة، خاصة عندما لا تكون إلا استنساخاً مكرراً للغة فارغة، لا تُعايش بوصفها تجربة تواصلية، سواء داخل الذات أو مع الآخرين، بقدر ما تدور حول الحفاظ على نسق من المفاهيم غير المحددة، وغير المتقنة، وتكرارها بطريقة أشبه بترتيل التعاويذ، التي لا يستطيع توضيح مرددوها هم أنفسهم، ولكنها تريهم ما ليس موجوداً إلا داخلها من تهيؤات.

هنا لا نعود أمام إعادة إنتاج أو تركيب، قد يحوي إبداعاً أو انعتاقاً، لعناصر رمزية وثقافية واجتماعية، وإنما أمام نمط من الظلامية، التي غالباً تصبّ في مصلحة أكثر السلطات قمعاً للحياة.

لكي نقول عن ظاهرة سياسية أو فكرية أنها أقرب للهلوسة، فيجب أن تحقق ثلاثة عناصر: الأول غياب مرجعية قابلة للتحقق، ما يجعل الإدراك غير قابل للقياس مع أي وقائع؛ والثاني مقاومة التصحيح، أي الإصرار على الإدراك نفسه، رغم وجود كثير من الأدلة المناقضة له، بل إعادة تفسير الأدلة لحماية الإدراك الخاطئ؛ والثالث استقلالها عن التجربة المباشرة، فهي تأتي من إعادة تدوير الخطابات، لا من التجربة.

ربما في هذا الموضع بالضبط يجب أن نطرح السؤال عن هلوسة ما يسمى «يساراً» في الدول الناطقة بالعربية.

يتكلّم كثيرون من كٌتّاب وممثلي ما صُنّف في الشرط العربي «يساراً»، عن «الإمبريالية» ومعركة لمقاومتها، وشعوب في معارك تحرر، ودول «تدافع عن استقلالها الوطني في وجه الاستعمار»، وانهيار وشيك للأعداء، و»تحرير» مقبل أو متحقق، و»ردات فعل على الاستبداد والهيمنة»، هل يوجد «مثير خارجي مناسب» لهذه المدركات، والتعبيرات عنها؟ مهما بحثنا ضمن خريطة الميليشيات المتطرفة، والحروب الأهلية، والدول التي تقتل من شعوبها وشعوب جيرانها أكثر مما يقتل «العدو»، أو تتواطأ معه في أكثر من محطة، فلن نجد إلا ما يخيب الأمل بتلك الطروحات، خاصة أنها ترى التحرر والتحرير في مليشيات جهادية دُعمت في الحرب الباردة أو بعدها؛ أو تواطأت مع الولايات المتحدة لاحتلال العراق وأفغانستان كما في الحالة الإيرانية؛ أو يفخر قادة «إمبرياليون» بأنهم عيّنوها لحكم سوريا.

قد لا يكون من الظالم وصف ذلك بالهلوسة، التي تجعل أصحابها يرون ويسمعون ما هو غير موجود.

فما بالك إذا خضعت مفاهيمهم المجرّدة نفسها، مثل «الامبريالية» أو حتى «التحرر الوطني» و»مقاومة الاستبداد» لنقد دقيق، على الأقل لإخراجها من وضعية التعاويذ، التي لا تحيل إلا إلى نفسها.

قد يبدو من المُحيّر استمرار هذا النمط من الخطاب، بل قدرته على التأثير في أوساط معيّنة، رغم كل تخشّبه الخطابي، ورداءته المفاهيمية، وفي مجتمعات «محافظة» أو ذات «خصوصية ثقافية إسلامية»، كما يؤكد «اليساريون» أنفسهم دائماً.

لا شيء يمكن أن يستمر لمجرد «القصور الذاتي» لسنوات طويلة، وبالتالي فلا بد أن هذا الخطاب، الذي يبدي سمات هلوسية واضحة، يؤدّي وظائف ضرورية لمصلحة جهات ما، يهمها بالفعل أن تضمن استمراره، وهذه الجهات غالباً تمثّل أو تؤمّن الغطاء للقوى التي يعتبرها «اليسار» مقاومة للإمبريالية أو الاستبداد، أي الميليشيات الإسلامية.

من نافل القول، إن تلك الميليشيات فائقة التمويل، وتتداخل في تمويلها دول ذات إمكانيات مالية كبيرة، فضلاً عن قدراتها على تمويل ذاتها، نتيجة تمرّسها في اقتصاديات الظل والجريمة، التي تشمل، وفق تقارير دولية كثيرة، الاتجار بالمخدرات، والبشر، والسلاح، واستغلال المساعدات الإنسانية المقدّمة من جهات دولية، والاستيلاء على مصادر وأصول أساسية، كالنفط والموانئ والمطارات والمعابر الحدودية، فضلاً عن قدرتها على إدارة عمالة أقرب للسخرة، ومن دون أي حقوق؛ وهي تورّد قيماً مادية للنظام العالمي، رغم وجودها على هوامشه، وادعائها مقاومته.

قد تجد تلك الميليشيات في خطاب مؤيّد ومبرر لها، من خارج لغتها العقائدية الضيقة، الكثير مما يمنحها الحضور، ونوعاً من الهالة المعنوية والثقافية، والقبول الاجتماعي، في أوساط أوسع مما يمكن أن تصل له بخطابها الخاص.

هذا يعني أن ما يسمى «يساراً» ربما يلعب، بوعي أو من دون وعي، دور الجناح المُعَلمن لغوياً لميليشيات الإسلام السياسي.

وقد لا يكون التلاقي بسيطاً لهذه الدرجة، ففي بعض أيديولوجيات الإسلام السياسي، خاصة المستمدة من «الثورة الإسلامية الإيرانية»، توجد عناصر واضحة مما يسمى «اليسار الجديد»، الذي نشأ منذ ستينيات القرن الماضي، وأبدى مواقف شديدة الإيجابية من ثورة الخميني، لدرجة الدعاية الصريحة لها؛ أيضاً قد توجد مثل هذه العناصر في تنظيم القاعدة نفسه، الذي استلهم حروب العصابات الأممية ضد الإمبريالية (بعد تسميتها «اليهود والنصارى»)، وقد أبدى مناضل أممي شهير، مثل الفنزويلي كارلوس (إليتش راميريز سانشيز)، تفهّمه لـ»نضال» التنظيم، بعد اعتناقه الإسلام في سجنه.

قد يكون هذه النمط من «اليسار» معلّم الإسلام السياسي، وتلميذه الخاضع في الوقت نفسه.

ما يقوم به ما يسمى بـ»اليسار» اليوم إذن هو غالباً نوع من الترجمة، أي ترجمة اللغة العقائدية للإسلام السياسي، إلى لغة أقرب لقاموس اليسار، وهذا القاموس مقبول ثقافياً وأخلاقياً إلى حد بعيد، وذلك لتداخل قوى اليسار تاريخياً في الإنتاج الثقافي، وصياغة القيم الاجتماعية حول العالم، ولكن هل هذه الترجمة دقيقة، أو بالأصح عن أصل فعلي؟ أم أنها بدورها، مثل الظواهر التي تتراءى لنظر كثير من «اليساريين»، نوع من الهلوسة؟جماعات الإسلام السياسي عموماً ليست مجموعات بدائية، أو جاهلة، أو خاوية من الأدبيات، بل هي تنظيمات سياسية حديثة معقدة، بتراث تنظيري كبير، وخطابات واضحة، وفيها كثير من المتعلمين والمتخصصين، وبالتالي فهي تمتلك ذاتها السياسية المتعيّنة، ويجب أن تؤخذ هذه الذات على محمل الجد، أو ببساطة أن تُرى، لا أن تعتبر «ردات فعل عفوية»، لا يؤولها إلا «اليساري».

وضمن الذات السياسية الإسلامية الأمور واضحة، وليست هلوسة: دول دينيّة، موقف متشدد في محافظته، بل ورجعيته تجاه الحقوق الأساسية، وحقوق النساء، وحرية التعبير والمعتقد؛ معارك فوق تاريخية (أي تتجاوز الأهداف المادية والوظيفية المحددة بزمان ومكان) مع عدو مغاير دينياً وقومياً؛ عداء جذري للقيم التحررية؛ أمة أحادية لا تعترف بالتنوّع، وتسعى لتطويعه أو استئصاله؛ وعقائد جهادية، ضمن روايات خلاصية عن التاريخ.

يريد كثير من اليساريين أن يوحوا بأن هذا كله مجرد وهم، يمكن تجاهله، فيما الحقيقة ما يؤكدونه هم من «نظريات ماديّة»، وهكذا يجعلون الإسلاميين مناضلين شعبيين رغماً عنهم، فهم «تقدّميون موضوعياً، ومحافظون ذاتياً».

إذا كان من أشهر الأمثلة في الأدب العالمي عن الهلوسة، رؤية دون كيخوته لعمالقة في طواحين الهواء، فإن الحديث عن أي شكل لـ»التحررية» لدى تلك القوى، بعقائدها وممارساتها، يبدو أشد هلوسة، وغير قابل للتصحيح مهما تتالت الوقائع المغايرة له.

مع العلم أن هلوسة دون كيخوته كانت نبيلة، بل فيها كثير من الشجاعة، وألهمت أجيالاً من الأدباء والثوار، فيما تلك الهلوسة «اليسارية» تبدو مثيرة لكثير من الشفقة.

رغم هذا يُصرّ «اليسار» على «الترجمة»، أي تحويل لغة وممارسات الإسلاميين إلى ترميز مقبول في العالم القيمي المُعَلمن لليسار، وهذه بالفعل ترجمة لا أصل لها، ولا يمكن حتى اعتبارها تحريفاً أو تزويراً عن أي أصل، بل هي رؤية ما هو غير موجود، والاقتناع الكامل به، بل محاولة إقناع كل الآخرين، وممارسة نوع من العنف الرمزي عليهم إذا لم يقتنعوا.

هذه أعلى درجات الهلوسة وأخطرها.

لا نتحدث هنا عن عقيدة مغلقة، تقوم بتحجيم الوقائع، ولي عنقها، كي تدرجها في أطرها الضيقة والمتصلّبة، بل عن اختلاق عالم غير موجود، والإيمان الذُهاني به.

العقيدة المغلقة تظل تتعامل مع الوقائع والظواهر، بينما الهلوسة تتجاوزها، وتخلق طبقة «واقعية» مستقلة عن كل إحالة.

لكنّ قوى وميليشيات الإسلام السياسي لا تبدي تبرّمها من هذه الترجمة، التي لا أصل لها لديها، بل تشجّعها، وتموّلها في أحيان ليست بالقليلة، ليس لاقتناعها بها، ولكن لأن العقائدية الدينية تبقى محددة في جمهور من لون واحد، يظلّ قاصراً سياسياً مهما بلغ عدده، في ما تفتح الترجمة «اليسارية» الهلوسية آفاقاً لبناء نوع من الائتلافات السياسية الأوسع، التي يمكن الانقلاب عليها ببساطة عندما تفقد أهميتها.

كثيرون من قادة الإسلام السياسي يحاولون تقديم «خطاب معتدل»، موجّه لـ»العالم»، ولكّن الناشطية «اليسارية» تبقى أشد فعالية وإقناعاً في أداء هذه الوظيفة.

ليس «اليسار» الحالي مجرّد ترجمة رديئة، بل هو إفراغ فعل الترجمة من مضمونه التواصلي والثقافي، فهو لا يعود إعادة إنتاج أصل في منظومة لغوية وثقافية أخرى، ما يكسبه أبعاداً وحضوراً جديدين، بل اختلاقاً كاملاً، يجعل اللغة نفسها عملية احتيال أيديولوجي لا تنتهي، وعندما يكون احتيالاً غير واعٍ على الذات نفسها، فلا يعود إلا هلوسة.

يقدّم «اليسار» المؤيد للإسلاميين نفسه بوصفه «مادياً»، يؤمن بأن الوجود المادي هو ما يحدد الوعي، ثم يقوم بقفزة منطقية غير مفهومة، ليصل إلى أن أولوية للوجود المادي تعني أن الوعي والأقوال والمُدركات غير مهمة، ولا أثر لها، ويمكن إسقاطها من الحساب، ولا جدوى من تحليل فحوى الخطاب والأيديولوجيا، بل الاكتفاء بـ»البنى المادية»، وبهذه الطريقة فحسب، يصبح الإسلام السياسي «تقدميا موضوعياً».

في أي مفهوم للمادية، حتى في صيغها الستالينية المبسّطة للتعليم الشعبي، فإن الوعي مؤثّر بشكل كبير على المادة، حتى لو كان انعكاساً لها، ولذلك توجد هناك تربية حزبية، ومواجهة لـ»التحريفية»، وضبط للأيديولوجيا.

فقط عند اليسار المهلوس لا معنى للقول الإسلامي نفسه، فهو مجرّد «رد فعل»، يُقدّم بوصفه طبيعياً، وأصيلاً، بل ربما حتمياً، وكأنه لا احتمال غيره، وليس من فعل فاعلين واعين؛ وهو مقبول بكل أساليبه ونتائجه، حتى لو أدى إلى عكس ما يريده؛ ولا يجوز السعي للتصدّي له، مهما بلغت أضراره.

فعلياً، هذه ليست ماديّة، بأي تعريف ميتافيزيقي للمادية الفلسفية، بل جبرية، وجبرية بدائية أقرب إلى التي كانت سائدة في العصر الأموي، فكل أفعالنا وأقوالنا مخلوقة من إرادة عليا، منفصلة عنّا، وما نحن إلا أدواتها، وقولنا وفعلنا لا يؤثّران فيها أو يغيّرانها، وهي الفاعل الوحيد في الوجود، ولذلك فلا جدوى من الحساب، إلا على «الأفعال الإيمانية في القلب»، وهي، في حالة ذلك «اليسار»، كراهية «الإمبريالية»، وتأييد الإسلام السياسي في معاركه التحررية المُتَوهّمة.

لا مكان للفاعلية الإنسانية، ولا يوجد إلا عامل تفسيري وحيد، ولا دور لـ»اليساري» إلا شرح الجبرية التي تقودنا، وبالتالي تبريرها.

يمكن إضافة هذا إلى قائمة الأسباب التي تجعل الإسلاميين مرحبين دائماً بترجمات اليساريين لأفعالهم، والتي قد تذكّر بأهمية مشايخ الجبرية لحكم بني أمية.

إلا أن الجبرية، حتى في العصر الأموي، كانت نقاشاً لاهوتياً، على مستوى ذلك العصر، السابق للترجمة عن الفلسفة اليونانية وغيرها، وكانت لها دوافع فكرية وإيمانية مهمّة لزمنها، فيما الجبرية «اليسارية» تبدو خاوية من الإيمان والفكر، وأشد بدائية حتى من لاهوتيي العصر الأموي.

هل هذه السمات ملازمة لكل فكر يساري؟ ربما كان ما يجب توضيحه أننا لا نتحدّث هنا عن يسار فعلي، وإنما عن خلائط من القومية العربية والإسلام السياسي، كان يمكن اعتبارها يساراً في فترة ما من عصر التحرر الوطني، أو بالأصح يسار قومية التحرر الوطني، وخارج زمنها ذلك، بكل مشاكله وكوارثه، لا تبدو إلا هلوسة نافعة وظيفياً لمصلحة قوى أخرى.

وربما نحتاج إلى يسار فعلي في العالم الناطق بالعربية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك