حين نتأمل عمق ما يتعلمه الطفل في حضن أمه ندرك أن أول مدرسة في الوجود لم تكن جدرانا ولا مناهج بل قلبا نابضا بالحنان فالأم لا تعلم بالكلمات بل بالاحتواء ولا تربي بالأوامر بل بالحب ومن هذا الحنان يتشكل الوعي الأول للإنسان ويتعلم معنى الأمان والثقة والرحمة فبدون هذا النبع الصافي ينشأ الإنسان ناقص الروح وإن بدا كامل الجسد لأن الحنان ليس ترفا عاطفيا بل ضرورة وجودية تُبنى بها الإنسانية من جذورها الأولى.
وحين يغيب هذا الحنان أو يضعف لا تعوضه أعظم المؤسسات ولا أرقى النظريات لأن ما تزرعه الأم في سنوات العمر الأولى لا يُستنسخ ولا يُستدرك لاحقا فالأم تصنع الإنسان قبل أن يصنع الإنسان العالم وبغياب دفء الأمومة يبدو العالم باردا مهما ازدانت ملامحه وتبدو القيم جوفاء مهما ارتفعت شعاراتها فالإنسانية نفسها تشيخ حين يُنتقص من حنان الأمهات.
لذلك يبدو الحديث عن ضخامة أي مؤسسة تعليمية ضئيلا أمام عظمة الأمومة فهنا تتوقف اللغة ويصمت الجدل وتتكلم الفطرة لأن الأم هي المنهج وهي المعلم وهي الرسالة الأولى التي كتبها الله في قلوب عباده لتكون دليلا على رحمته فالمدرسة قد تُخرج عالما لكن الأم تخرج إنسانا قادرا على أن يكون عالما أو رحيما أو صالحا.
وفي عيد الأم لا نملك إلا أن ننحني إجلالا لا للأم وحدها بل لعظمة الخالق الذي أودع في قلبها هذه المعجزة الربانية فالأمومة ليست دورا اجتماعيا بل تجل من تجليات الرحمة الإلهية على الأرض ومن يفهم الأمومة يفهم معنى الإنسانية ومن يكرم الأم إنما يكرم الأصل الذي منه بدأ كل خير وكل نور وكل حياة وتحية إجلال خاصة لكل أم عاملة نجحت في الجمع بين أدوار متعددة دون أن تفرط في قدسية الأمومة وندعو المجتمع ومؤسساته إلى أن يروهن بعين الوعي والمسؤولية وأن يمدوا لهن العون والدعم الحقيقي تقديرا لما يحملنه من أعباء وما يقدمنه من تضحيات في سبيل الحفاظ على أسرة متماسكة وإنسانية أكثر توازنا رغم كل الظروف والصعاب.
ومع تأمل هذه المعاني العميقة في عيد الأم يظهر بعد آخر يهم مجتمعات العمل ومجال الموارد البشرية على وجه الخصوص فالمؤسسات التي تدرك قيمة الإنسان لا تنظر إلى الأمومة باعتبارها ظرفا شخصيا فحسب بل باعتبارها جزءا أصيلا من بناء مجتمع متوازن ومستدام داخل بيئة العمل إن دعم الأمهات العاملات من خلال سياسات مرنة وإجازات أمومة عادلة وبيئات عمل متفهمة لاحتياجات الأسرة ليس مجرد امتياز اجتماعي بل استثمار حقيقي في رأس المال البشري.
فالموارد البشرية في جوهرها ليست إدارة للوظائف فقط بل رعاية للإنسان الذي يقف خلف كل إنجاز وحين تكرم المؤسسات الأمهات وتدعم أدوارهن المتعددة فإنها لا تعزز رفاه الموظفات فحسب بل تسهم أيضا في بناء ثقافة تنظيمية أكثر إنسانية وتوازنا وإنتاجية لذلك يصبح عيد الأم مناسبة نتذكر فيها أن تقدير الأمومة لا يقتصر على البيوت فقط بل يجب أن يمتد إلى سياسات العمل وثقافة المؤسسات لأن المجتمعات المهنية القوية تبدأ دائما من احترام الإنسان وأدواره الإنسانية قبل المهنية.
وفي ظل ما يشهده عالمنا من توترات جيوسياسية وظروف استثنائية تتعاظم مسؤولية الأم بشكل يفوق الوصف إذ تجد نفسها في قلب التحدي حارسة لأمان أبنائها وضامنة لاستمرارية تعليمهم رغم كل الاضطرابات فتتحول البيوت إلى مساحات تعلم وتوازن وتصبح الأم المعلم والحاضن والداعم النفسي في آن واحد تبذل جهدا مضاعفا لتحافظ على استقرار أطفالها في عالم يزداد اضطرابا دون أن تسمح للخوف أن يهزم شعورهم بالأمان أو أن يقطع خيط الأمل في مستقبلهم.
وهنا تتجلى حقيقة لا يمكن تجاهلها أن صمود المجتمعات يبدأ من صمود الأمهات وأن استمرارية التعلم في أصعب الظروف لم تكن لتتحقق لولا هذا العطاء الصامت الذي لا يُقاس ولا يُكافأ بما يكفي ومن هذا المنطلق يصبح لزاما على المؤسسات وصناع القرار أن يعيدوا تعريف أولوياتهم وأن ينظروا إلى دعم الأمهات لا كخيار بل كضرورة إنسانية وتنموية.
فالأم ليست فقط بداية الحكاية بل هي الضمان لاستمرارها وهي التي تحفظ توازن الإنسان حين يختل العالم من حوله وهي التي تصنع في صمت ما تعجز عنه الضوضاء لذلك فإن تكريم الأم ليس مناسبة عابرة بل موقف حضاري يعكس وعي المجتمعات بقيمة الإنسان ومن يكرم الأم إنما يضع أساسا أكثر صلابة لمستقبل أكثر رحمة وعدلا واستقرارا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك