حين يُعلَن هلال العيد، فإنه لا يشرق على بلد دون آخر، ولا يختص بحدود دون سواها، بل يمتدّ نوره على فضاء عربي واحد، تشترك شعوبه في الذاكرة والوجدان، كما تشترك في الألم والأمل.
وأمس، الجمعة 20 مارس، ليس مجرد موعد فلكي لـ«عيد الفطر»، بل هو لحظة رمزية تتجدد فيها حقيقة راسخة، بأن هذه الأمة، مهما تفرّقت بها الجغرافيا، تبقى واحدة في عمقها التاريخي والديني والإنساني.
يأتي عيد الفطر كل عام كمحطة إنسانية وروحية عميقة، تذكّرنا بمعنى الطهر بعد المجاهدة، والفرح بعد الصبر؛ فهو، كما قيل، «يوم الجائزة»، حيث يخرج الناس من مدرسة الصيام وقد تزكّت نفوسهم وتخفّفت أرواحهم من أعباء كثيرة أثقلتها طوال العام.
إن وحدة الشعور في يوم العيد تختصر المعنى كله؛ فمن المحيط إلى الخليج ترتفع التكبيرات ذاتها، وتُرفع الأيادي بالدعاء ذاته، وتُفتح القلوب بذات الصفاء والنقاء، تذكّرنا بأننا ما زلنا نملك خيطًا خفيًا يشدّ بعضنا إلى بعض.
وإذا كانت الجراح التي أصابت جسد هذه الأمة كثيرة، فإن القاعدة التي لا تتبدل هي أننا «كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»، وأن ما يحدث في أي بقعة عربية لا يبقى محصورًا فيها، بل يمتد أثره إلى الضمير الجمعي لكل عربي يشعر به، وإن لم يعشه مباشرة.
في صباح يوم العيد، لا تكون التكبيرات مجرد أصوات تتردد في المساجد، بل هي إعلان عن انتصار الإنسان على نفسه، وعن عودة الفطرة إلى صفائها الأول، حيث تلتقي القلوب قبل الأيادي، وتُفتح الأبواب قبل الطرقات، وتُمحى المسافات التي صنعتها الأيام، في مشهد تتجلّى فيه أسمى معاني التراحم والتسامح والتواصل بين الناس.
وعيد الفطر حالة جماعية تذكّرنا بأن السعادة الحقيقية لا تكتمل إلا بمشاركة الآخرين، في ابتسامة يتيم، أو مساعدة محتاج، أو كلمة طيبة تجبر خاطرًا كُسر في غفلة من الزمن، ومن هنا تتجلّى روح العيد الحقيقية، بأن يكون الإنسان سببًا في فرح غيره.
يأتي العيد ليقول لنا إن الأمل لا يموت، وإن الرحمة ما زالت تسكن القلوب، وإن القدرة على البدء من جديد لا تزال ممكنة، وهو فرصة لمراجعة الذات، وتصحيح المسار، وتجديد العهد مع القيم التي تمنح الحياة معناها الحقيقي.
افرحوا بالعيد واملؤوا الدنيا سعادةً وبِشرًا، واجعلوا من لحظات العيد فسحةً للأمل وتجديدًا للروح، وافرحوا بقلوبٍ صافية نقية، وابتساماتٍ صادقة، وتواصلٍ يرمّم ما كسرته الأيام.
واحفظوا أوطانكم، وعضّوا عليها بالنواجذ، فهي السند حين تشتد الخطوب، والملاذ حين تضيق السبل.
صونوها بالوعي وبالوحدة، وبالانتماء الصادق، فالأوطان لا يحميها إلا أهلها، ولا يصونها إلا المخلصون لها.
اخرجوا إلى الساحات والميادين والحدائق، واتركوا للفرح أن يقود خطاكم، وشاركوا الأطفال ألعابهم وضحكاتهم التي تُعيد للحياة معناها البسيط الجميل، وعيشوا لحظات العيد بكل تفاصيلها في الطرقات، وتحت ظلال الأشجار، وبين الأهل والأصدقاء، وتمتعوا ببلادكم كما هي بنسيمها وشمسها الدافئة، وسمائها المفتوحة، وأصواتها التي تنبض بالحياة، وتأملوا تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، فالجمال يسكن في كل زاويةٍ من أركانها لمن يعرف كيف يراه.
بلادكم ليست مجرد مكان؛ هي ذاكرة وحنين وانتماء، هي الحكاية التي تبدأ منكم وتكتمل بكم، وتذكّروا دائمًا أن وطنكم هو الملاذ الآمن الذي يحتضنكم مهما قست الظروف، فحافظوا عليه حبًا ووعيًا وانتماءً، وازرعوا في قلوب أبنائكم هذا المعنى، ليبقى الوطن حيًّا فيهم كما هو حيّ فيكم.
عيد فطر مبارك.
أعاده الله على الجميع بالخير واليُمن والبركات، وجعل أيامكم فرحًا لا ينقطع، وقلوبكم مطمئنة بالسكينة، عامرةً بالمحبة، وبيوتكم مملوءةً بالدفء والسلام.
حفظ الله مصر وقائدها وجيشها العظيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك