على الرغم من أن تكريم الأمومة ضارب في عمق التاريخ عبر احتفالات قديمة بالأمهات والآلهة، إلا أن “يوم الأم” بصيغته المعاصرة لم يرَ النور إلا في فجر القرن العشرين، وبدافع شخصي بحت.
لم يكن الأمر في بدايته مخططًا تسويقيًّا، بل كان عهدًا قطعته الناشطة الأميركية “أنا جارفس” لتكريم ذكرى والدتها، تلك المرأة التي وهبت حياتها لتنظيم مجموعات نسائية تدعم الصحة والروابط الاجتماعية في مجتمع “فرجينيا الغربية”.
بدأت الحكاية في العاشر من مايو عام 1908، حين أقامت “جارفس” ما يُعتبر أول احتفال رسمي بهذه المناسبة، حيث أرسلت 500 زهرة قرنفل بيضاء إلى كنيسة والدتها الراحلة، لتصبح هذه الزهرة منذ تلك اللحظة الرمز الأول للعيد.
وسرعان ما انتشرت الفكرة كالنار في الهشيم، حتى اعتمدها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون رسمياً في عام 1914، مخصصًا الأحد الثاني من مايو يوماً وطنياً للأم.
إلا أن هذا النجاح الباهر حمل في طياته ما لم تكن “جارفس” تتمناه؛ فقد تلقفت قطاعات الزهور والبطاقات والهدايا المناسبة بحماس تجاري منقطع النظير، محولةً الذكرى الوجدانية الرقيقة إلى ماكينة استهلاكية ضخمة.
هذا “التسليع” للمشاعر دفع المؤسِسة نفسها إلى قضاء السنوات الأخيرة من عمرها في محاولة مستميتة لإلغاء العيد الذي صنعته يداها، معتبرة أن المبالغة في الهدايا والبطاقات الجاهزة أفسدت الجوهر الروحي والوفاء الصادق الذي أرادت تخليده.
رغم أن حب الأم لغة عالمية لا تحتاج لترجمة، إلا أن التقويم العالمي يكشف عن تباين غريب ومثير في مواعيد الاحتفاء بـ “يوم الأم”؛ فمن صقيع النرويج في فبراير إلى دفء إندونيسيا في ديسمبر، يتنقل هذا العيد بين القارات حاملًا معه قصصًا تضرب جذورها في الميثولوجيا الإغريقية، والتقاليد الدينية، والحركات السياسية الحديثة.
في عالمنا العربي، ارتبط يوم الأم بالاعتدال الربيعي في الحادي والعشرين من مارس، وهو تقليد استقر في الوجدان منذ خمسينيات القرن الماضي بفضل مبادرة الصحفي المصري مصطفى أمين.
هذا الموعد الذي تتبناه دول الخليج، كالبحرين والإمارات والسعودية، ومصر وبلاد الشام، يرمز لتجدد الحياة وتفتح الزهور، متناغماً مع طبيعة الأمومة المعطاءة.
لكن جيراننا في أوروبا، وتحديداً في المملكة المتحدة وأيرلندا، يحتفلون بالموعد في وقت مبكر قليلًا، حيث يرتبط العيد هناك بـ “أحد الأمومة” الذي يوافق الأحد الرابع من الصوم الكبير، وهي ذكرى مسيحية قديمة كانت تدعو الناس للعودة إلى “كنيستهم الأم”، قبل أن تتحول بمرور القرون إلى مناسبة عائلية لتكريم الأمهات بالهدايا والزيارات.
أما في الولايات المتحدة، فالحكاية مختلفة تمامًا؛ إذ يعود الفضل للناشطة “أنا جارفيس” التي ناضلت في أوائل القرن العشرين لجعل الأحد الثاني من مايو يومًا وطنيًّا للاعتراف بتضحيات الأمهات، وهو الموعد الذي سارت على نهجه دول عديدة مثل الهند، أستراليا، سريلانكا، والفلبين.
وفي المقابل، نجد دولاً أخرى فضلت دمج هذا اليوم مع “يوم المرأة العالمي” في الثامن من مارس، كما هو الحال في ألبانيا وبلغاريا ودول البلقان، تأكيدًا على الدور المحوري للمرأة في المجتمع.
ولا تخلو خارطة الاحتفالات من لمسات وطنية وقومية خاصة؛ ففي تايلاند، يوافق يوم الأم الثاني عشر من أغسطس تخليدًا لعيد ميلاد الملكة الأم سيريكيت، بينما تنتظر الأرجنتين حتى الأحد الثالث من أكتوبر تيمناً بذكرى قديمة لمريم العذراء.
وفي روسيا، يأتي الاحتفال متأخرًا في الأحد الأخير من نوفمبر، ليختتم العام في إندونيسيا التي تخصص الثاني والعشرين من ديسمبر لتكريم “كل النساء”، وليس الأمهات فقط.
هذا التباين الزمني ليس مجرد اختلاف في التواريخ، بل هو انعكاس لثقافة كل شعب وقصصه الخاصة؛ فمنهم من يربط الأم بالأرض والربيع، ومنهم من يربطها بالقداسة الدينية أو الرموز الوطنية، لكن الجميع يتفق في النهاية على أن تكريم الأم هو المناسبة الوحيدة التي لا تغيب عنها الشمس طوال العام.
اليوم، بينما تُنفق مليارات الدولارات سنوياً في مختلف أنحاء العالم على هدايا هذا اليوم، تظل قصة “أنا جارفس” تذكيرًا بالصراع الدائم بين القيمة الإنسانية والمصلحة التجارية، وكيف يمكن لزهرة قرنفل بيضاء بسيطة أن تتحول إلى قطاع اقتصادي يزن المليارات، دون أن ينسى العالم أصل الحكاية: “حلم ابنة بوفاء لا ينتهي”.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك