في مدينة سلا، حيث يهمس البحر كل صباح للبيوت العتيقة، تعيش امرأة اسمها بديعة.
ولم يكن اسمها مجرد مصادفة، بل كان قدرًا صغيرًا يصف حياتها: امرأة بديعة في صبرها كما في قلبها.
اليوم هي في عقدها التاسع، امرأة عبرت الزمن كما تعبر السفن البحر: ببطء، بصبر، وبكثير من الرياح التي لا يراها أحد.
أنجبت عشر بنات، عشر نجمات خرجن من رحم واحد، ثم كبرت الشجرة واتسعت أغصانها، فأحاطت بها ضحكات الأحفاد، ثم أحفاد الأحفاد، أولئك الذين نسميهم في الدارجة المغربية «اللْبايط».
كانت كلما نظرت إلى تلك السلسلة الطويلة من الوجوه الخارجة من قلبها تشعر أن الزمن لم يكن خصمها، بل كان شجرةً كبرت جذورها في حياتها.
أمّ لبيت كامل من الحياة، وجدة لأسرة تتسع كحكاية قديمة تُروى في ليالي الشتاء.
لم تكن تملك ثروة تُعدّ بالأرقام، لكنها كانت تملك ما هو أثمن: نسلاً يملأ البيت دفئًا وامتدادًا.
وكانت، في زمن بعيد، من النساء اللواتي سبقن عصرهن.
حين كانت النساء يترددن في الجلوس خلف مقود سيارة، كانت بديعة تمسك المقود بثقة امرأة تعرف الطريق.
إلى جانبها زوجها، وخلفها بناتها كعصافير صغيرة يضحكن، والمدينة تنظر بدهشة إلى تلك المرأة التي تقود سيارة كما تقود قدرها.
لكنها لم تكن تقود السيارة فقط، بل كانت تقود أسرة كاملة: تجمع الخبز، وتجمع الدفء، وتجمع القلوب حول مائدة واحدة.
حملت عشر مرات، وأنجبت عشر مرات، وربّت عشر مرات، وكأن قلبها كان مدرسة مفتوحة للحب.
كبرت البنات، تعلمن وتزوجن، وأصبحن سيدات في بيوت أزواجهن، لكن الأم تبقى أمًا حتى لو صار للأبناء والبنات بيوت كثيرة.
كانت تقطع الكيلومترات الطويلة لتطمئن على هذه وتزور تلك، تدخل البيوت كأنها نسمة من البيت الأول.
كانت بديعة امرأة عزيزة النفس، من ذلك الطراز النادر من النساء اللواتي لا ينحنين إلا لله.
قوية الشكيمة، حادة الإرادة، تطرّز القماش كما لو كانت تطرّز أيامها بالصبر.
كانت يداها تبدعان في خياطة أثواب النساء وحليّ العرائس، وكأنها تهيّئ الفرح للآخرين بينما تخبئ تعبها في طيات القماش.
وحين مرض زوجها، لم تتراجع خطوة واحدة.
حملت البيت على كتفيها، وأعالت زوجها، أبا بناتها العشر، سنوات طويلة من المرض بصمت يشبه الكبرياء.
كانت تعرف أن الحب الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، بل بعدد الليالي التي يسهرها القلب قرب من يحب… حتى جاء اليوم الذي رحل فيه، تاركًا لها ذكرى رجل، وتاركةً له ذكرى امرأة لم تخذله يومًا.
ومع تعاقب السنين، ذلك الضيف الذي لا يستأذن، بدأت الركبتان تثقلان قليلاً، والأصابع تصبح أقل طواعية، والأفكار أقل سرعة.
وحين يصبح العمر طويلًا جدًا، تصبح أبسط الأشياء معجزة: الإجابة عن سؤال بسيط رحلة قصيرة في الذاكرة، والسمع أحيانًا مثل نافذة نصف مغلقة.
عندها تحتاج المرأة العجوز إلى شيء لا يُشترى: حضن بنت، حضن دافئ، وأذن صبورة تلتقط الآهات الصغيرة قبل الكلمات.
ومع ذلك، بقيت بديعة تحتفظ ببصيرة الأمهات.
كانت تعرف، دون أن يقول أحد شيئًا، من يحبها حقًا ومن يزور فقط لأنه يجب أن يزور.
تعرف الفرق بين قلب صافٍ وقلب يؤدي الواجب كمن يضع نقطة في آخر الجملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك