على مدى أكثر من نصف قرن قضاها في باريس، ظلّ شفيق عبود يرسم كما لو أنه يحاول العودة إلى مكان بعيد؛ عودة إلى الضوء الأول، كما تعكسه القرى اللبنانية والتلال والبيوت الحجرية التي شكّلت ذاكرته البصرية المبكرة.
في لوحاته التي تميل إلى التجريد، كانت هذه الذكريات تظهر على هيئة مساحات لونية وإيقاعات ضوئية.
لكن المفارقة أن الفنان اللبناني الذي تمرّ مئة عام على مولده، كان يتجنب الحديث عن الهوية بوصفها مشروعاً أو خطاباً، ففي مقابلة صحافية معه عام 1999، صرح عبود بأنه يقنع نفسه بأن في فنه شيئاً لبنانياً لكنه لا يؤمن بفن يحمل هوية، كاشفاً عن موقفه من اللوحة بوضوح، إذ يقول إنه لا يحب الكلام كثيراً، فعمله فناناً يعتمد أكثر على التعبير باللون؛ هو صمت، لا حكي.
الفن عنده إذاً لم يكن خطاباً أو شعاراً، وليس بياناً سياسياً أو هوياتياً، فالفن صمت ولون وضوء وإيقاع بصري.
هذا الرأي الذي آمن به عبود يناقض مشروع الكثير من الفنانين العرب المعاصرين له، خاصة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، الذين انخرطوا في مشروع بحثي واضح عن هوية تشكيلية عربية، وغالباً ما كان ذلك عبر توظيف الرموز العربية واستلهام التراث بشكل مباشر.
شفيق عبود المولود عام 1926 في قرية المحيدثة بلبنان (قضاء المتن، شمال شرق بيروت)، تأثر بالأيقونات البيزنطية وتقاليد كنيسته.
هذه العناصر ستظل لاحقاً كامنة في أعماله، حتى بعد أن تحولت لوحاته إلى مساحات شبه تجريدية.
في بداياته، درس الهندسة لفترة قصيرة في بيروت قبل أن يتجه إلى الفن، ثم التحق بالأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، حيث بدأ يكتشف تدريجياً عالم الرسم بوصفه لغة قادرة على إعادة تشكيل الواقع لا مجرد نسخه.
لكن التحول الحاسم في مسيرته جاء عام 1947 عندما سافر إلى باريس بمنحة دراسية.
هناك دخل إلى قلب المشهد الفني الأوروبي في لحظة كانت الحداثة فيه تعيد تعريف نفسها بعد الحرب.
تدرب في مراسم جان ميتزنغر وأوتون فريز وفرنان ليجيه وأندريه لوت، والتقى بفنانين آخرين، مثله، غادروا بلادهم ليعيشوا من أجل فنهم.
تأثر بشكل خاص ببيير بونار وروجر بيسيير ونيكولا دي ستايل، مما قاده تدريجياً من التصوير اللبناني التقليدي إلى تجريد لوني غنائي أكثر حرية.
في تلك الأجواء، كان يبحث عن صياغة توليفية بين عالم طفولته الحكائي وتقنيات الرسم التجريدي الباريسي التي أتقنها، ساعياً إلى منحها روحاً خاصة ونسيجاً غنياً ومضيئاً.
تدرب في مراسم جان ميتزنغر وأوتون فريز وفرنان ليجيهمع ذلك، لم يعن انخراطه في هذا المناخ الأوروبي التخلي عن جذوره البصرية.
على العكس، كان يحاول دائماً أن يعثر على توازن بين عالمين.
لذلك بدت لوحاته في الخمسينيات والستينيات وكأنها مشاهد طبيعية تحولت إلى إشارات لونية.
فالتلال تصبح بقعاً ضوئية، والبيوت تتحول إلى بنى هندسية، والسماء تنفتح على مساحات واسعة من الأزرق والرمادي.
يمكن ملاحظة هذا التأثير بوضوح في أعماله من الخمسينيات، حيث تتحول البيوت والتلال إلى كتل لونية وهندسية تذكرنا بأعمال دي ستايل، لكنها تحتفظ بجو دافئ ومألوف يشي بذاكرة المكان الأول.
تدريجياً، أصبحت اللوحة لدى عبود فضاءً للتجربة أكثر منها تمثيلاً لمشهد محدد.
فكانت ضربات الفرشاة تتجاور مثل طبقات من الضوء، فيما يتراجع الشكل الواقعي لصالح إحساس بصري أكثر حرية.
هذا التحول جعله قريباً من التيارات التجريدية التي انتشرت في أوروبا خلال الستينيات.
ومع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، أخذت أعمال عبود تميل إلى ألوان أكثر كثافة وتوتراً.
لم يكن يرسم الحرب مباشرة، لكنه كان يستجيب لها عبر تحولات لونية وإيقاعية داخل اللوحة.
أصبح اللون الأحمر أكثر حضوراً، وتزايدت الطبقات اللونية المتراكبة، كما لو أن اللوحة نفسها أصبحت مساحة لصراع صامت بين الضوء والعتمة.
في هذه الفترة، عانى من الاكتئاب بعد أن منعته الحرب من العودة إلى لبنان، فتجاوز ذلك بتزيين مئة طبق خزفي، عائداً إلى التراب والمادة علاجاً روحياً.
لكنه أيضاً استجاب للحظة أمل، فباتفاق الطائف (1989-1990)، الذي رأى فيه محاولة جادة لإنهاء الحرب وإعادة توحيد لبنان، أنجز منحوتة ضخمة بعنوان" اتفاق الطائف".
هو الذي رفض، بسبب نفوره من الطائفية، مواصلة التدريس في بيروت عندما قُسّمت إلى مناطق طائفية، والذي رفض دائماً دعم أي طرف على حساب آخر، ها هو يبني عموداً من الطين المحروق بارتفاع 250 سنتم، يركّب من أحد عشر مكعباً صغيراً، بعضها يحمل زخارف شرقية يتخللها الضوء، كأنه كان يحاول إعادة بناء لبنان بطريقته.
لم يعن انخراطه في المناخ الأوروبي التخلي عن جذوره البصريةخلال هذه السنوات، بدأت أعماله تُعرض في صالات باريس الكبرى، كما اقتنتها مؤسسات ومتاحف أوروبية، ولم يكن ذلك أمراً شائعاً لفنان عربي في تلك الفترة.
وصفه كلود لومان بأنه أكبر فنان لبناني باريسي في النصف الثاني من القرن العشرين"، مشيراً إلى أن لوحاته كانت جسراً دائماً بين فرنسا ولبنان والعالم العربي.
ومع ذلك، ظل اسمه أقل حضوراً في المشهد الثقافي العربي مقارنة ببعض معاصريه.
ربما بسبب إقامته الطويلة في فرنسا، وربما لأن تجربته لم تكن تنتمي بوضوح إلى خطاب الهوية الذي شغل كثيراً من الفنانين العرب في تلك المرحلة.
وربما أيضاً، كما تشير ابنته كريستين عبود، لأن أعماله كانت تحتاج إلى قراءات أكاديمية أكثر جدية في العالم العربي، وإلى اقتناء مؤسسي يعيد تثبيتها في الذاكرة الثقافية.
توفي شفيق عبود في باريس، بعد مسيرة امتدت أكثر من خمسة عقود، تاركاً وراءه أرشيفاً ضخماً من الدفاتر والرسائل والصور.
في هذه الدفاتر، اكتشفت ابنته كريستين التي تدير الآن أرشيفه، كم كان لبنان أساساً مطلقاً يعود إليه باستمرار، خاصة في لوحاته من الثمانينيات.
ترى أنه أحب لبنان بكل تعقيداته، وأنه كان بحاجة للذهاب إليه، وبحاجة لمغادرته، كما كان بحاجة دائماً لأن يكون في مكان آخر.
في مقالها المنشور عام 2018 في موقع آرت دبي تقول كريستين، إنها حين قرأت دفاتره، فهمت بشكل أوضح اللحظات التي كانت صعبة عليه، لحظات الانسحاب، ولحظات العذاب، ولحظات الهشاشة.
فهمت التدفق الكامل لحياته وأسئلته، وأشياء لم تكن قد أدركتها من قبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك