من الواضح اليوم ومن دون غبش أو وهم لمتوهم أن إيران هي جار سوء ولا ثقة فيها ولا حياء يرتجى منها، وأنه لا يمكن لأي متنطع أن يخادع نفسه ويبرر لها اعتداءها على جوارها؛ فهذه إيران تطلق الصواريخ علينا بذريعة العلاقات الأميركية معنا.
ألم تجلس هي مع الولايات المتحدة تحت الطاولة ردحا من الزمن ومنذ عهد الرئيس كارتر للتآمر على المنطقة وبتوطئة الجانب الغربي حتى تمكنت من بناء مشروعها النووي، ثم قبلت فيما بعد بالتفاوض المباشر مع أوباما بشكل مستقل لإدارة ملفها النووي ولم يعلم أحد من الجوار ماهية ما يدور؟ ومع كل ذلك لم تصرح دول الخليج يوما أن إيران ليس من حقها التفاوض وإدارة مصالحها بطريقتها الخاصة، لكن مع الالتزام بضوابط القانون الدولي وحفظ أمن المنطقة.
أليست هذه إيران الثورة المزعومة من تسلحت بالسلاح الأميركي والإسرائيلي ضد العراق في صفقة “إيران جيت”، ثم مضى الزمن حتى نضجت المنطقة وفترت همم ومفاهيم أجيالها فتوافق الطرفان على إسقاط العراق وسحق هيبته ومن ثم تسليمه للأصول ذوي الهوية التابعة لإيران في العراق لتكشف المنطقة العربية برمتها، وعليه اليوم وبعد أن وقع المحظور وسالت دماؤنا في سبيل حفظ حياضنا وأعراضنا، فإن الوضع ابتداء يحتم على ملاك رؤوس الأموال من التجار ذوي الأصول الإيرانية أن يصدروا بيانا مشتركا موجها للإدارة السياسية الغربية والأميركية من أنه لابد من إسقاط هذا النظام القابع في طهران، الذي تسببوا هم بزرعه، وإلا فإنهم سيوقفون كل أشكال الاستثمار التجاري مع تلك الدول، وسيتجهون إلى التعامل مع أي بديل آخر كالصين.
فعلى من يحب العرب وأرضهم اليوم أن يثبت حبه وانتماءه لها، فعروبة الخليج ليست ملزمة بالإكراه ولا مفروضة بالقوة، وعلى كل من لا يجد بقلبه ميلا لأرض الخليج وقياداتها السياسية أن يغادر هذه البقاع والمعنى بقلب الشاعر.
إن مفاسد نظام طهران واضحة فيما أصاب ثلة من المجتمع العراقي من تفشي الرذيلة والرشوة وكل أنواع الفساد، ونحن من خلال رصدنا أحداث الشرق الأوسط ردحا من الزمن ودراسة التاريخ الفارسي وإشكالاته مع جواره العربي، ومع دراسة سيكولوجيا الشخصية الفارسية (ملحمة الشاه نامة، وغيرها) وإشكالاتها المفاهيمية الجمعية تجاه العنصر العربي، تأكدت قناعتنا ومنذ زمن بعيد بأن إيران قيادة ونخبا تكره العرب، ولديها استعداد للتعامل مع الشيطان لتدميرهم، فمنذ فجر التاريخ وهي تسعى دوما لاختراق العرب مفاهيميا وعسكريا، ولو رجعنا قليلا لبداية عصر البارود الذي يعد نقطة التحول لبواكير نهج الصراعات العسكرية بين الأمم، فإننا سنجد أن تاريخ إيران مليء بتخادمها ودعمها الغرب الكنسي السياسي على جوارها العربي، وليس بعيدا عن ذلك ما هو مغيب من ملابسات هذه المنطقة من العالم؛ فقد تآمرت إيران ودعمت الحملة البرتغالية القادمة من أعالي البحار على البحرين بأربعة آلاف مقاتل أو أكثر، وشاركت في قتل من كان يعرف يومها في الوثائق بملك ملوك الشرق، وهو الأمير مقرن بن زامل بن أجود بن زامل بن حسين بن ناصر بن جبر بن حسين بن ناصر، الذي يلتقي نسبه مع كاتب هذه السطور في صلب الجد ناصر.
فالوثائق والمراسلات بين قائد الفرس يومها والقائد البرتغالي أنطونيو كوريا موجودة ومثبتة، وقد توافق الأخير مع قائد الفرس يومها بأن يتجه الفارسي إلى محاصرة مكة، وسوف يزحف هو لدعمه من سواحل الخليج لهدم البيت العتيق، ولولا وقفة أهل البحرين بقيادة الأمير مقرن في وجه حملتهم وخلخلة جيشهم، التي قتل فيها جدنا الأمير مقرن وقطع رأسه وأخفي قبره بمشورة الفرس، ما كان يعلم إلا الله يومها ما الذي كان سيحصل لحرمه الآمن.
ولو وقفنا على تاريخ هذه الجزيرة وما حصل لها من تحويل قسري ثم ناعم لقطع تواصل الذاكرة التاريخية الموروثة للأجيال من سكان القرى تحديدا وفصلهم عن أصولهم، فإننا سنجد الكثير من التشويه والاستبدال لسرديتهم المفاهيمية والعقدية بسردية أخرى.
ومن خلال قراءة سلوك المجتمع وتفحص السردية المنتهجة اليوم، سنجد بوضوح جلي أن مصدر السردية الحالية بلاد فارس، وهي من أسست لنسق مفهوم وصاية “شيخ الإسلام” على العقل الجمعي القروي في البحرين وتوجيهه سياسيا منذ ذاك التاريخ.
وبعد انجلاء النفوذ البرتغالي على يد الدولة البوسعيدية، جاءت مرحلة النفوذ البريطاني، وقد أكملت هذه الأخرى ما قد بدأ ببنائه البرتغاليون.
وإلى هنا سأكتفي من تناول شواهد تاريخ “طيالسة إيران” وتآمرهم التاريخي مع الغرب الكنسي على العرب.
ولفهم كيف وصل الخميني إلى الحكم، لابد من الرجوع إلى تناول بعض الكتب التوثيقية ومنها “رهينة بقبضة الخميني” لمؤلفه روبرت دريفس.
أما بخصوص الحرب القائمة، فإن من يريد أن يفهم مآلاتها فعليه الرجوع إلى “حرب الاثني عشر يوما” التي سبقت هذه الحرب، ولابد من فهم العوامل التي أوقدتها، وما هو المفهوم الأميركي لإيقافها؟ وما هو سقف المطالب التي أريد من إيران توقيعها بعدها؟وهنا لابد من التركيز والاستذكار الجيد لتسلسل الأحداث السياسية التي سبقت تلك الحرب؛ إذ كان عاملها الأول رفض إيران التفاوض بعد أن رفض ترامب اتفاقية أوباما السابقة؛ فجاءت حرب الاثني عشر يوما لجلب إيران للطاولة الأميركية المنفردة، فهذه هي الصورة التي حصلت، وبعيدا عن الهرطقات والتضليل الإعلامي لما سمي يومها بإعادة قواعد توازن الاشتباك وضبطه بين إسرائيل وإيران تحت مظلة الأميركان.
إن الحرب القائمة اليوم وما يدور حولها من كثرة البيانات الإعلامية المتضاربة، جعلت الكرملين الروسي يصرح ممتعضا من كثافة التصريحات السياسية المتضاربة بين الطرفين (إيران والجانب الأميركي)، قبل الجلوس إلى طاولة إسلام آباد القادمة.
كما أن من يعتقد أن “الناتو” سيدعم ترامب في حملته لتسوية ملف إيران فإن ذلك مستبعد، وذلك لسببين: الأول أن شعار الولايات المتحدة المستجد “أميركا أولا” لا يتماشى مع مصالح الغربيين ونظرتهم لدولهم، وثانيا أن إيران تشترك مع الأوروبيين تاريخيا واستراتيجيا بنفس التوجه تجاه الشرق العربي ومنطقة الخليج.
اليوم، ولحاجة فهم الموقف الأميركي المرحلي تحديدا من إيران واستشراف مآلاته، لابد من الوقوف على مشهد الداخل الأميركي وتجاذباته السياسية، ولابد - ولو بشيء من التسليم - اعتبار أن الولايات المتحدة هي اليوم في مرحلة تحول، أولا تجاه حلفائها من أعضاء دول “الناتو”، وفي تقديري أن هذا الخلاف المستجد هو ما حمل الدولة البريطانية في هذا المتغير العالمي على تقديم اعتذار للفلسطينيين عما آلت إليه أوضاعهم منذ نكبة ثمانية وأربعين.
إن اتسام السياسات الأميركية السابقة ومنذ عهد كارتر، مرورا بتعاقب الرئاسات بعده، بنهج الموادعة والتمويه والتعظيم من زخم إيران، بل والتخادم معها ليتمدد مشروعها المذهبي الحاجر على العقل والمضلل للفطرة الإنسانية السليمة، جاء لحاجة سياسية زمنية من عملية صناعة التناقضات وتخصيبها في الأمة المراد هدمها.
وقد دُفع ذاك النهج على يد البريطانيين والأميركان أنفسهم، حتى عبر ترامب عن ذلك قاصدا طهران بـ “النظام الدمية” أي المصنوع لمآرب زمنية محددة.
إن مجيء ترامب وبروز ما بات يعرف في الداخل الأميركي بـ “الظاهرة الترامبية” قد قلب كل المعايير السابقة لسياسات الولايات المتحدة تجاه القارات كافة وليس الشرق فقط؛ فتلك السياسات الأميركية السابقة هي ما أوصلنا اليوم لما يعيشه العالم من حالة عدم الاستقرار وعرقلة النمو الاقتصادي الدولي على يد إيران وسرديتها المنافية لأبسط مفاهيم التفكير الإنساني.
وأستذكر هنا أنني منذ عشرين عاما تقريبا كتبت مقالا تحت عنوان “أميركا وإيران: واقع الخلاف وإلزامية التوافق”، وقد أشرت فيه إلى أن النظام الإيراني قد صُنع لحاجة زمنية، وستنتفي هذه الحاجة بانتفاء مسبباتها على مر الزمن، وسوف ينقلب السحر على الساحر وسيتقاطع الطرفان في نقطة التصادم التي ستنهي سياسة التوافقات.
وفي تقديري، قد سرع نمو الصين السريع في الوصول لنقطة التقاطع التي لا يمكن القفز عليها إلا بتراجع أحد الأطراف.
إن نظام طهران الحالي لا تكمن خطورته في قوته العسكرية؛ فهو من هذه الناحية خاوٍ، إنما خطورته تكمن في مشروعه الثقافي العابر للحدود.
والسؤال الأصعب الذي يطرح نفسه الآن: هل سيسعى ترامب لإسقاط ذلك النظام الثيوقراطي الديني من جذوره وبالتالي إنهاء شقيه العسكري والثقافي؟ أم أن حملته العسكرية الحالية جاءت لتحجيمه عسكريا ونوويا فقط ومن دون المساس بمشروعه الثقافي؟ إن الشق الثقافي هو الأخطر على المنطقة العربية والعالم، وهو يرتكز على صناعة ذهنية التفكير الجمعي، ومنه تنبثق صناعة الأتباع وخلايا الاختراق للبلدان.
وهذا الشق ما سوف أتناوله في مقال فكري آخر بالتفصيل، وسأسلط الضوء فيه على صناعة مفهوم “المقدس المفتوح” وزرعه في العقل الجمعي، وهو ما ينافي الشرائع السماوية كافة وركيزتها المؤكدة وهي التوحيد؛ إذ إنه لا مقدس إلا الغيب المطلق الذي لا يُحد ولا يوصف.
ورجوعا لما يدور من تحليل لماهية الصراع العسكري الحاصل وتكتيكاته، فإن الولايات المتحدة ليست دولة وإنما إمبراطورية تمر بتاريخ البشرية؛ فهي تمتلك فائض قوة قاهرا على باقي البلدان، وبالتالي من يصنع التفاعل السياسي والعسكري الدولي ويتحكم بإدارته تجاه الخصم تكون هي، ولذلك فإنها لا يمكن أن تغلق باب التفاوض في أي صراع، ولكن على قاعدة إملاءاتها وتنفيذ شروطها وبأقل كلفة من الخسائر.
وعليه؛ فإن حرب الاثني عشر يوما جاءت لهدف عسكري واحد وهو تدمير مشروع إيران النووي وإعاقتها عن إمكانية إنتاج القنبلة النووية، والثاني هو السياسي - كما تقدم - لإجبارها على الجلوس للتفاوض تحت جدية الضغط العسكري.
فهل فهمت إيران الدرس واستوعبت الرسائل السابقة وطلبت الجلوس للتفاوض مع الولايات المتحدة مجددا في باكستان ومن دون تسويف وكسب للوقت؟ أم أنها مازالت تراهن على اكتساب الوقت والتحايل على ترامب وإدارته من خلال التلاعب والتسويف كما كانت تفعل سابقا؟إن أمام ترامب الآن محذورين تراهن عليهما طهران: تآكل الوقت، واهتزاز الأسواق العالمية والداخلية لديه، وهو السلاح الذي تستخدمه طهران لإفشال حملته، بمعنى أن الديمقراطية الأميركية نفسها وتغير مزاج الناخب الأميركي تحت أي ضغط معيشي هو السلاح الرئيسي الذي فهمته طهران منذ فترة لإسقاط أي رئيس أميركي يحاول كسر تمددها، ولذلك فإن تركيزها على إغلاق مضيق هرمز لأطول فترة ممكنة حتى يحين وقت الانتخابات الأميركية هو سلاحها الذي تسعى إليه.
لكن المفارقة هنا عما سبق هي أن الولايات المتحدة نفسها في مرحلة تحول.
وفي تقديري أنه في جولة المفاوضات بباكستان سيرفع ترامب سقف المطالب الأميركية عما كان معروضا سابقا في مفاوضات عُمان الأخيرة.
كما أنه في تقديري أيضا أن مؤتمر التفاوض الذي سيعقد في إسلام آباد - إن تم - سيكون هو الفرصة الأخيرة لنظام طهران، فإما القبول بكل الشروط الأميركية أو سيتم الإجهاز عليه وستنفذ أميركا خطتها العسكرية بالإنزال البري والسيطرة على جزيرة خارك، الشريان النفطي الأساسي لصادرات النفط الإيراني، كما ستتم السيطرة على الامتداد الجغرافي وجزره على الطرف الآخر المطل على الخليج من جانب إيران، وربما تدفع الأمور إلى تقسيم إيران إلى أقاليم عدة.
وأعتقد بأن ذلك السيناريو مطروح إلا إذا تدافعت الأحداث وحساب المصالح وتدخلت أطراف أخرى لمنع هذا السيناريو، وأقصد هنا الصين وروسيا، والصين تحديدا.
أما على مستوى الموقف الخليجي الموحد من التزام جانب الدفاع دون الهجوم، فإن ذلك يعد رشدا استراتيجيا يجب الإشادة به في هذه المرحلة من الحرب، ودول الخليج اليوم ليست كما كانت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؛ فدول الخليج اليوم مجتمعة وعلى المستوى العسكري عمليا تملك تسليحا يفوق إيران بمراحل، خصوصا على مستوى سلاح الجو، كما أن بنياتها الاجتماعية ومؤسساتها الرسمية اكتملت وقطعت شوطا في مفهوم منظومة “الدولة الأمة”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك