منبر نور — مقالات من بطون الكتب ونبض الواقعكانت خريطة القوة تُرسم بخطوط الأنابيب،وتُحدد ملامح النفوذ بعدد الآبار، وكان من يملك النفط يملك القرارلكن المشهد اليوم يتغير بصمتٍ عميق.
ثمة قوة جديدة لا تُرى بالعينبل تتشكل في العقول، وتتحرك في الخوارزمياتلقد دخل العالم طورًا جديدًا، لم تعد فيه الثروة مجرد موردقدرة على الفهم، والتحليل، والابتكار.
من يحكم العالم اليوم… الآبار أم الأفكار؟أولاً: تحولات معنى الثروةعبر التاريخ، لم تكن الثروة ثابتة المعنى، بل كانت مرآةً لطبيعة العصر.
في المجتمعات الزراعية، كانت الأرض هي الأصل، ومن يملكها يملك الحياة.
ثم جاء العصر الصناعي، فانتقلت الثروة إلى المصانع، وأصبح رأس المال والإنتاج هما عنوان القوة.
أما اليوم، فقد حدث تحول أكثر عمقًا:لم تعد الثروة فيما نملك، بل فيما نعرف.
يشير Thomas Piketty في تحليله للرأسمالية الحديثة إلى أن رأس المال لم يعد محصورًا في الأصول المادية،بل أخذ يتجه نحو أشكال غير ملموسة، تتجاوز الآلة والمصنع إلى المعرفة والتنظيم والتكنولوجيا.
وهكذا، بدأت ملامح اقتصاد جديد تتشكل، اقتصاد لا يُقاس بالحجم…ثانياً: صعود اقتصاد غير مرئيفي قلب هذا التحول، برز ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الأفكار”،حيث لم تعد القيمة في المادة، بل في المعنى الذي يُستخرج منها.
البيانات أصبحت المورد الأهم، ليس لأنها موجودة،بل لأن هناك من يعرف كيف يقرأها.
والخوارزميات لم تعد مجرد أدوات، بل أصبحت أنظمة تفكير تعيد صياغة القرار.
أما الإنسان، فلم يعد مجرد عامل،بل أصبح صانعًا للمنظومة بأكملها.
لهذا، لم يعد غريبًا أن تتصدر شركات مثل Google وMicrosoft وNVIDIA الاقتصاد العالمي،رغم أنها لا تملك حقول نفط،القدرة على تحويل المعرفة إلى قوة.
لم تعد القوة الاقتصادية منفصلة عن القوة السياسية.
بل إن المعرفة نفسها أصبحت أداة نفوذ.
فالدول التي تقود هذا التحول، مثل United States وChina، لا تتنافس فقط على الموارد، بل على السيطرة على مفاتيح المستقبل:وهنا لم تعد المنافسة على الأرض، بل على العقل.
بل: ماذا نستطيع أن نصنع بما نملك؟رابعاً: هل تراجعت الآبار؟فإن الحديث عن نهاية عصر النفط يبدو تبسيطًا مخلًا.
فالطاقة لا تزال عصب الاقتصاد،والنفط لا يزال لاعبًا رئيسيًا في معادلة القوة.
لكن ما تغير هو موقعه في هذه المعادلة.
لم يعد النفط وحده كافيًا لصناعة النفوذ، بل أصبح جزءًا من منظومة أوسع،تتداخل فيها الطاقة مع المعرفةخامساً: من يملك المستقبل؟في هذا العالم الجديد، لا تُقاس قوة الدول بما تختزنه في باطن الأرض، بل بما تستثمره في عقول أبنائها.
وقد بيّن كتاب Why Nations Fail أن ازدهار الأمم لا يرتبط فقط بمواردها،بل بطبيعة مؤسساتها، وقدرتها على تمكين الإبداع،وفتح المجال أمام المبادرة.
فالمستقبل لا يُورث… بل يُبنى.
سادساً: العالم العربي والإفريقي… لحظة الاختيارتقف دول العالم العربي والإفريقي اليوم أمام لحظة فاصلة.
إما أن تبقى رهينة نموذج يعتمد على الموارد،أو أن تدخل عصرًا جديدًا تُعاد فيه صياغة الاقتصاد على أساس المعرفة.
وهذا التحول لا يتحقق بالشعارات، بل عبر:استثمار حقيقي في البحث العلميفالعالم لا ينتظر المتأخرين… بل يعيد ترتيبهم.
سابعاً: المخاطر الكامنة خلف الازدهارورغم الوعود الكبيرة، فإن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر لا تقل عمقًا:تركّز القوة في عدد محدود من الشركاتتراجع بعض الوظائف التقليديةوقد حذّرت Shoshana Zuboff في كتابها The Age of Surveillance Capitalism من أن السيطرة على البيانات قد تتحول إلى شكل جديد من الهيمنة،حيث لا تُمارس السلطة بالقوة… بل بالمعلومة.
لم يعد العالم يُدار من تحت الأرض فقط، بل من داخل العقول.
فإذا كانت الآبار قد منحت القوة لمن يملكها،فإن الأفكار تمنحها لمن يفهمها ويطوّرها.
نحن لا نعيش نهاية عصر النفط،بل نعيش إعادة تعريف لمعنى القوة.
من يملك القدرة على تحويل المعرفة إلى مستقبل؟وهنا، تتحدد الإجابة الحقيقية على سؤالنا:مصرفي سابق – المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في أفريقيا –منبر نور مقالات من بطون كتب ونبض الواقعsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك