اتهام إيران إقليم كوردستان أنه أصبح مركزًا لإسرائيل وأميركا ليس بالجديد.
ففي السنوات الماضية، وحتى دون أن تكون إيران في حالة حرب مباشرة مع أميركا وإسرائيل، استهدفت البنية التحتية للإقليم عدة مرات تحت هذه الذريعة.
لكن ما ظهر كحقيقة صارخة خلال الأشهر الماضية من الصراع بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، هو الصدق الذي طالما أكد عليه الكوردستانيون: " نحن لسنا جزءًا من مشروع أي دولة أو طرف، ونريد أن نكون أصدقاء لجميع الأطراف المتنازعة".
فلو كان إقليم كوردستان جزءًا من مشروع أميركي - إسرائيلي، لكان الإقليم في خضم هذه الحرب القاسية التي تواجهها إيران، قاعدةً استراتيجيةً مهمةً لضرب العمق الإيراني، بحكم القرب الجغرافي والحدود الشاسعة بينهما، ولتمكن من تقديم خدمات جليلة لأميركا وإسرائيل.
ولكن الجميع يدرك أنه لم تُطلق رصاصة واحدة من إقليم كوردستان باتجاه إيران، ولم تُستخدم أي قاعدة عسكرية أو مطار في كوردستان لشن هجمات عليها.
وقادة إيران يعلمون هذه الحقيقة جيدًا.
أما فيما يتعلق بذريعة وجود مقرات وقواعد للأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة في الإقليم، فبالرغم من توفر فرص عديدة في العقود الماضية لفتح جبهات قتال وخوض كفاح مسلح ضد إيران، إلا أنه بسبب التزام إقليم كوردستان تجاه جيرانه ووعود هذه الأحزاب لقيادة الإقليم، لم تُستغل أي فرصة ولم يسببوا أي صداع أو قلق أمني لإيران من داخل حدود الإقليم.
حتى مع اندلاع الجولة الأخيرة من الصراع في حزيران (يونيو) الماضي، لم تقم القوى الكوردية بأي نشاط عسكري أو فتح جبهة ثانية، بالرغم من أنها كانت ستحصل بالتأكيد على دعم أميركي وإسرائيلي لو فعلت ذلك.
ومع ذلك، ومنذ بداية هذه الحرب الحالية، تعرض إقليم كوردستان لما يقارب 600 صاروخ وطائرة مسيرة انطلقت من إيران والعراق.
استشهد عدد من مقاتلي البيشمركة وعناصر الأمن والمواطنين، وأصيب العشرات، واستُهدفت البنية التحتية، والمطارات، ومقرات البيشمركة، ووصل الأمر إلى تطور أمني خطير باستهداف منزل رئيس إقليم كوردستان، دون أن يتم إطلاق صاروخ واحد أو مسيرة أو حتى رصاصة واحدة من الإقليم باتجاههم.
ولا تزال السياسة الرسمية للإقليم تؤكد على الحياد ومحاولة طمأنة الجميع بأنه لن يكون طرفًا في الصراع، مع ضبط النفس لعدم الانجرار إلى المشاكل.
وبدون شك، إذا استطاع الإقليم ضمان عدم تحوله إلى طرف في هذا الوضع الإقليمي المتخبط، فسيكون ذلك إنجازًا كبيرًا، ولكن بشرط ألا تستمر هذه الهجمات عليه.
فإذا استمر إقليم كوردستان في التمسك بالحياد بينما تستمر الهجمات ضده، سيتحول الأمر إلى مهزلة.
خاصة وأن مصادر هذه الصواريخ والمسيرات واضحة ومعلنة، وتقوم بها مجموعات عراقية معينة.
والمفارقة أن الهجوم على منزل رئيس إقليم كوردستان وُصف من قبل إيران نفسها بأنه" عمل إرهابي"، وهذا دليل على أن الجماعات المسلحة في العراق استغلت الحرب الإيرانية كغطاء لنواياها العدائية ضد كوردستان.
وحتى لو لم تكن هذه الحرب قائمة، فإن هؤلاء كانوا سينتهزون أي فرصة لمهاجمة الإقليم.
لأن لديهم خطة لضرب وإضعاف جزء من الإقليم، أربيل ودهوك.
ومن المؤسف أن إقليم كوردستان يكتفي بعد كل هجوم بإصدار بيان تنديد ومطالبة بغداد بوقف المجموعات المسلحة، وبغداد بدورها تنهي الأمر ببيان إدانة، بالرغم من أن الطرفين يدركان أن هذه الأحداث لن تنتهي بمجرد بيانات.
السؤال الجوهري هنا لإقليم كوردستان هو: إلى متى سيبقى الرد على الصواريخ والمسيرات بالبيانات الصحفية؟ وإلى متى سيقبل من العراق التملص من المسؤولية عبر تسمية هذه الفصائل بـ" الجماعات الخارجة عن القانون"؟ في حين يعلم الجميع في كوردستان والعراق أن هذه المجموعات التي تهاجم الإقليم علانية ليست خارجة عن القانون ولا عن مؤسسات الدولة.
لا توجد مجموعة مسلحة سرية في العراق، فكلهم ينتمون إلى هيئة الحشد الشعبي التي هي جزء من مؤسسات الدولة قانونيًا ومرتبطة مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة.
لا يوجد منطق يصدق أن هذه الجماعات لا تلتزم بقرارات بغداد، بينما رواتبهم وامتيازاتهم وسلاحهم ومعداتهم الحربية كلها توفرها بغداد.
على السلطات العراقية أن تدرك أن جرّ العراق إلى هذه الحرب سيؤدي إلى احتراقه وتحويله إلى رماد.
إنهم يخدعون أنفسهم إذا اعتقدوا أن فتح جبهة من العراق سيخفف الضغط عن إيران أو ينقذها، أو أن إيران ستحميهم في النهاية.
طبيعة إيران كانت دائمًا تصدير أزماتها إلى الخارج، ومن الوهم انتظار أن تأتي إيران لحماية العراق، فهي لم تحمِ غزة ولا لبنان ولا سوريا الأسد سابقًا.
تلك الصواريخ والمسيرات التي تستخدمها الآن للدفاع عن نفسها، لو كانت استخدمتها من أجل غزة في البداية لما وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن.
يجب أن يكون لإقليم كوردستان رد فعل صريح وواضح تجاه بغداد.
صحيح أن الحرب سيئة، ولكن الأسوأ من الحرب هو قبول التعدي.
ما تفعله بغداد حاليًا تجاه الإقليم هو تعدٍّ صارخ.
وإذا كان الإقليم لا يملك أدوات الحرب ضد إيران، فإنه يستطيع خلق صداع كبير للعراق.
وهي استخدام الورقة السياسية للمواطنين الكورد في المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم كوسيلة ضغط، يمكنه خلق أزمات كبرى لبغداد.
وفي الوقت الذي تستهدف فيه أميركا وإسرائيل مقرات الحشد والجيش في تلك المناطق، يستطيع الإقليم بسهولة سحب البساط من تحت أقدام بغداد هناك، ويجب عليه الاستعداد لهذا الاحتمال واسترداد المناطق المسلوبة منه.
كل المعطيات تشير إلى أنه حتى لو بقيت إيران ككيان، فلن يُسمح ببقاء هيمنتها على جيرانها.
لذا يجب على الكورد استغلال الفرصة لاستعادة ما سُلب منه بدعم من إيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك