من بين تجارب عديدة رأت في المقهى أساساً إبداعياً يمكن الخروج منه بأعمال سردية أو شعرية، تقف تجربة الكاتب الفرنسي جان ماري غوريو في مقدمة تيار رأى أن المكان بذاته منبع لأقوال البشر وحكاياتهم وومضاتهم اليومية، وعبر أكثر من 15 كتاباً أصدرها خلال العقود الماضية، سخَّر الكاتب جهده من أجل الإصغاء وتدوين ما يقوله الزوار.
فهو يجلس في المقاهي الباريسية، يلتقط الكلمات والجمل كما تُقال، ثم يعيد جمعها وفق خطته البسيطة، لتنتهي بكتاب ضخم يتراصف على رف المكتبة مع كتب أُخرى حملت عنوان" حديث البار".
في توصيف ما يفعله غوريو، الذي لم يتوقف حتى اليوم عن التدوين، يمكن ملاحظة أن النتاج يصل إلى القارئ من دون تعديل أو تعليق.
إنه لا يعيد صياغة ما يقوله الناس، بل يكتفي بانتزاعها من سياقها اللحظي ووضعها أمام القارئ كما هي.
الكاتب هنا يتخلى عن دوره صانعاً للنص، ويتحول إلى وسيط بينه وبين القارئ.
كما أن وظيفة المقهى بذاتها تترنح بين ما يفعله هو، وبين حكايا الناس، التي حولها آخرون إلى إبداعات من خلال اشتغالهم على أدبيتها.
وفي محصلة التجربة سنرى كيف أن المقهى يصبح" أذناً جماعية"، ينخل الكاتب فيها الكلام، ليكشف عن" البلاغة العفوية"، من خلال أحاديث المهمشين، والعاطلين عن العمل، وكذلك الزبائن العابرين.
فنقرأ في الجزء الذي يحمل عنوان" المقهى الكبير" أقوالاً غريبة، أو لنقل الحكم المصوغة على ألسنة البشر العاديّين، وهم يصارعون من أجل العيش: " لو كان العمل شيئاً جيداً، لكان الأغنياء قد احتفظوا به لأنفسهم"، و" الديمقراطية هي أن تقول ما تريد.
بينما تفعل ما تُؤمر به"، و" الضريبة هي عندما تأخذ الدولة منك المال لتعطيك إياه لاحقاً، لكن بعد أن تقتطع عمولتها لأنها تعبت في أخذه منك".
وفي رؤيتهم للعلاقات العاطفية نقرأ: " زوجتي وأنا كنا سعيدين لمدة عشرين عاماً.
ثم التقينا"، وأيضاً: " الحب يجعلنا نرى الأشياء بغير حقيقتها، والزواج يعيد إلينا البصر".
صنعت المقاهي آداباً مضادة للروايات الرسمية والمكرسةغوريو يضيف أن المقهى هو" برلمان اللغة الحيّة"، وأن دور الكاتب أحياناً ليس في الابتكار، بل في" اليقظة" والقدرة على التقاط اللحظة الزائلة قبل أن تذوب في الضجيج.
غير أن السؤال الذي يتوقف عنده قارئ هذه التجربة يتمحور حول أدبية ما يفعله غوريو، فهل يمكن اعتبار صنيعه أدباً؟ الإجابة هنا لا تأتي من اللغة وسياقها وتكوينها ومؤداها، بل من مجمل ما سبق وهو يدور في الفضاء ذاته.
الأدباء الذين استخدموا المكان ذاته من زوايا مختلفة عما قام به غوريو، لم يكتفوا بتحويله بذاته إلى أدب، بل جعلوه فضاء يومياً يملك القدرة على إنتاج المعنى.
الأمر الذي يدفع القارئ إلى تحري دوره في الحياة اليومية، وهنا لا شكَّ سيصل إلى القراءات التي نظرت في جاذبيته ورغبة البشر الدائمة في الذهاب إليه؛ فهو وكما يطرح الباحث التونسي مصطفى الكيلاني في دراسته" المقهى واللعب"، الوريث الشرعي لـ" الكهف الأول".
هو أيضاً الفضاء الذي يلوذ به الإنسان المعاصر من قساوة الجدية اليومية في مجالات العمل وضغوطها، تماماً كما كان يفعل الإنسان البدائي، حين كان يلجأ إلى الكهف للاستراحة بعد رحلات الصيد.
هو" الزمن البيني" بين العمل المنضبط والبيت الخاص، و" منطقة محايدة" تسمح للكلام أن يمتد، وللشخصيات أن تتحرر من أقنعتها الرسمية.
هكذا فعل عدد من المبدعين العرب حين كتبوا سرديات خرجت منه، أو جرت بعض أحداثها فيه، أو عملت شخصياتها ضمنه.
نتوقف هنا عند نجيب محفوظ ومقهى" الفيشاوي" في الثلاثية، وكذلك مقهى" قشتمر" وغيره في روايات أخرى، وأيضاً عند آخرين بحثوا فيه عما يمكن تحويله إلى مادة متصلة بالمكان كمحمود السعدني في" حكايات مقهى كتكوت"، وأيضاً خيري شلبي الذي يذهب في أعمال مثل" وكالة عطية" و" صالح هيصة"، ليجعل الشخصيات حاضرة لا عبر الوصف، وإنما من خلال أصواتها وحكاياتها المتشابكة ولغتها الشعبية التي تحتفظ بحرارتها وارتباكها.
سرّ جاذبية المقهى للأدباء يعود لفكرة التسلية والخفّةوعلى صعيد الآداب العالمية، يمكن التوقف عند سلسلة روايات" قبل أن تبرد القهوة" للكاتب الياباني توشيكازو كاواغوتشي، والتي صدر منها حتى الآن خمسة أجزاء، تحول المقهى فيها إلى فكرة، فلم يعد مكاناً للكلام فحسب، بل فضاء لمواجهة الزمن وتحولاته، وأثره على الشخصيات التي تندم على ما فعلته، وتبحث من جهة أخرى عن تجارب تستحق أن تعاش: جمع الناس حول طاولة.
وبشكل ما، فإن هذه الرؤية تتقاطع مع تجربة الكاتب التحفيزي الأميركي جون ستريليكي في رواية" المقهى على حافة العالم"، حيث يتطور المقهى ليكون" عيادة فلسفية" تطرح أسئلة الوجود الكبرى.
لا يمكن فهم سر جاذبية المقهى للأدب من دون العودة إلى فكرة التسلية واللعب أيضاً وتداول الخفة واللا معنى، أي أن يأتي المرء إلى المكان كي لا يفكر في العمق الذي يحتاج إليه في الشؤون الحياتية الأخرى.
يمكن النظر إلى أدب المقاهي بوصفه نوعاً من الأدب المضاد للنسخة الرسمية المعتادة من التدوين.
الكاتب الذي يأتي إلى المقهى ليستلهم منه مادته يثق بعفوية من يثرثرون فيه، ويراقب الخطأ بوصفه تعبيراً عن الحياتية؛ إنه يراهن على أن الحقيقة لا تظهر دائماً في الجمل المحكمة، بل أحياناً في تلك العبارات المرتبكة التي تُقال بلا قصد.
وهذه الرؤية لا تقتصر على الكتابة، بل تقترح أسلوباً يبدأ في أن يصغي الكاتب قبل أن يكتب، وأن يُفسح المجال للأصوات الأخرى، أي أن يتراجع قليلاً تاركاً الحياة تتكلم.
ولا تكمن أهمية المقهى في كونه مكاناً اجتماعياً فحسب، بل في كونه خزّاناً لغوياً وثقافياً.
إنه فضاء تُختبر فيه اللغة، وتُعاد صياغة العلاقات، وتُروى فيه الحكايات قبل أن تُكتب.
الكتابة عنه، أو منه، هي محاولة للإمساك بلحظة زائلة، لحظة يتقاطع فيها العابرون، تاركين وراءهم أثراً يمكن أن يتحول، في يد كاتب يقظ، إلى نص.
ومع ذلك، يواجه المقهى اليوم تحدياً وجودياً في عصر الرقمنة؛ فهل لا يزال" برلماناً للغة الحية" أم استحال" جزراً منعزلة" خلف الشاشات؟ إن انشغال الرواد بالعالم الافتراضي قد يهدد تلك" الأذن الجماعية"، مما يفرض على كاتب اليوم يقظة مضاعفة، لا لالتقاط الكلمات المنطوقة فحسب، بل لرصد الصمت الرقمي وتأثيره على عفوية الحكاية قبل أن تبتلعها العزلة التكنولوجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك