تتصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي على لبنان، والذي تسبب بتهجير أكثر من مليون شخص، فيما تتكشّف في موازاته جبهة أخرى أقلّ وضوحاً وأكثر تعقيداً: حرب رقمية تستخدم الإعلانات المموّلة، والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، وعمليات الاختراق، لاستهداف المجتمع اللبناني.
خلال الأسابيع الأخيرة، انتشرت على نطاق واسع إعلانات ممولة مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تظهر شخصيات سياسية لبنانية بارزة، بينها رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون، في سياقات دعائية مثيرة للجدل.
تدعو هذه الإعلانات إلى الحياد والسلام مع إسرائيل، وهو طرح خارج الإطار القانوني والسياسي في لبنان.
وتستخدم لغة شعبوية وشعارات مثل" لبنان لا يريد الحرب" و" اجعلوا لبنان عظيماً مجدداً"، وهي تحاكي مباشرة شعار" اجعلوا الولايات المتحدة عظيمة مجدداً" (Make America Great Again) الذي ارتبط بالحملة السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويعكس هذا التوظيف استعارة قوالب دعائية عابرة للحدود، تقوم على تبسيط الخطاب السياسي واستدعاء مشاعر" المجد المفقود"، في محاولة للتأثير على الرأي العام المحلي بأدوات أثبتت فعاليتها في سياقات أخرى.
يُسهم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك توليد الصور والمقاطع والتلاعب بها، في تعقيد المشهد، إذ لا يقتصر الأمر على إنتاج محتوى مضلّل، بل يمتد إلى التشكيك في المحتوى الحقيقي نفسه، ما يخلق بيئة معلوماتية ضبابية يصعب فيها التحقق والتمييز.
ووفقاً لمدير برنامج الإعلام في منظمة سمكس التي يركز عملها على تعزيز حرية التعبير والحق في الخصوصيّة في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، عبد قطايا، فإن خطورة هذه الحملات لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تتجاوز ذلك إلى" محاولات تجنيد فعلية"، وقال إن هذه المواد" تحاول استقطاب أفراد للقيام بأعمال أمنية وعسكرية ضد بلدهم".
إلى جانب الإعلانات، وثّقت" سمكس" انتشار استبيانات مجهولة المصدر تسأل اللبنانيين عن مواقفهم من الحرب.
وتثير هذه الاستبيانات مخاوف جدية، إذ يُشتبه في استخدامها كأداة لجمع بيانات حساسة تحت غطاء تقديم مساعدات إنسانية.
هذا النمط من الاستغلال يتقاطع مع ظروف التهجير والضغط الإنساني، حيث يصبح الأفراد أكثر عرضة للخداع الرقمي.
في موازاة ذلك، أفاد سكان في مناطق مختلفة من لبنان بتلقيهم مكالمات ورسائل تهديد تطلب منهم إخلاء منازلهم قبل استهدافها، وطاولت هذه الرسائل مواطنين مدنيين ورؤساء بلديات وإدارات رسمية.
وفي بعض الحالات، أدت هذه الاتصالات إلى إخلاء مبانٍ رسمية أو إخلاء مقار وزارات وإدارات عامة وقصور عدل احترازياً.
كما ألقت إسرائيل مناشير تحمل دعوات لنزع سلاح حزب الله، تتضمن رمز رابط (QR Code) يقود إلى تطبيق واتساب وآخر إلى منصة فيسبوك، بهدف التواصل مع وحدة الاستخبارات البشرية في الجيش الإسرائيلي (الوحدة 504) المعنية بتجنيد العملاء.
حرب رقمية تتضمن محتوى مولّداً بالذكاء الاصطناعي ومحاولات اختراق وجمع بياناتوحذّرت قيادة الجيش حينها المواطنين من خطورة مسح الرمز أو الدخول إلى هذه الروابط، لما ينطوي عليه ذلك من مسؤولية قانونية وخطر أمني، فضلاً عن احتمال اختراق الهواتف الخلوية والوصول إلى البيانات الشخصية.
وتتفاقم هذه المخاطر في ظل ضعف الاستجابة الرسمية، خصوصاً في قطاعي الاتصالات والإنترنت.
فمع تزايد أعداد المهجرين والضغط على الشبكات، لم تُسجّل إجراءات حكومية كافية لتأمين الخدمة أو حماية المستخدمين.
وعلى الرغم من مبادرات محدودة من شركتي الاتصالات في لبنان (ألفا وإم تي سي تاتش)، مثل تقديم باقات مخفّضة، إلا أن خبراء يرون أنها لا ترقى إلى مستوى الأزمة، خاصة في ظل هشاشة الأمن السيبراني في البلاد.
في سياق متصل، تعرّضت مواقع وزارتي الخارجية والإعلام في لبنان لهجمات إلكترونية نُسبت إلى مجموعة قراصنة تُدعى" فاطميون"، ما أدى إلى تعطّلها مؤقتاً.
كما طاولت الهجمات موقع قناة إم تي في اللبنانية وموقع صحيفة نداء الوطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك