تواجه الحوامل النازحات في لبنان مخاطر صحية متفاقمة في مراكز الإيواء، حيث تُركن لمصيرهنّ من دون أي تدابير رسمية أو خطط طوارئ واضحة، وصارت الولادة هاجساً يؤرّقهن.
يتواصل الواقع الإنساني المرير الناتج عن العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولم تستخلص السلطات أي عِبرة من حرب عام 2024، إذ عوض بناء منظومة استجابة ذات جاهزية أفضل، تجددت معاناة النازحين، ومن بينهم النساء الحوامل اللواتي يقاسين الأمرّين.
ومنذ بدء العدوان في الثاني من مارس/ آذار الماضي، بدا المشهد قاتماً، خصوصاً في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي محافظات الجنوب والبقاع وبعلبك- الهرمل (شرق)، حيث طاول النزوح الجماعي المناطق والقرى تباعاً، من دون خطة واضحة أو إطار طوارئ يضمن سلامة المواطنين.
ولمرة جديدة، لا تتوفر مراكز إيواء مجهّزة بشكل كافٍ، وسط انعدام الحد الأدنى من الحماية، ما يُبقي صحة النساء والأطفال على الهامش.
وحتى اليوم لم تتبلّغ نساء حوامل بالخطة التي نشرتها وزارة الصحة العامة على موقعها الإلكتروني بشأن الاستشفاء والتغطية الطبية، كما تكاد تكون الرعاية الصحية داخل مراكز الإيواء معدومة.
ويُظهر تقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان للفترة الممتدة من 18 إلى 25 مارس 2026، أنّ النساء الحوامل يواجهن مخاطر متزايدة ضمن الأزمة الإنسانية في لبنان.
إذ يُقدّر التقرير عدد الحوامل بنحو 13,500، فيما يُتوقّع أن تلد 1,500 منهنّ خلال الثلاثين يوماً المقبلة، ما يعكس حاجة ملحّة إلى خدمات الصحة الإنجابية والرعاية الطارئة.
ورغم ذكر التقرير وصول مساعدات إلى 23 مرفقاً صحياً، إلا أن المشهد يظل أكثر قسوة، فالمساعدات في معظم مراكز الإيواء لم تتجاوز المبادرات الفردية، والتي تبقى، على الرغم من أهميتها، غير كافية لتغطية الاحتياجات المتزايدة.
وبين غياب التنظيم الرسمي وضعف التنسيق، تُترك الفئات الأكثر هشاشة، ومن بينهنّ الحوامل، في مواجهة المجهول.
ولا تزال آلة الحرب الإسرائيلية تمضي في تهجير مزيد من سكان لبنان منذ مطلع مارس الماضي، على خلفية الغارات الإسرائيلية العنيفة وأوامر الإخلاء التي يوجّهها المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولا سيّما لقرى بأكملها في جنوب لبنان وكذلك في شرقه، بالإضافة إلى مناطق في الضاحية الجنوبية.
تقول غادة عيسى من بلدة الشهابية (جنوب) التي نزحت مع عائلتها إلى ثانوية الحريري الثانية في بيروت: " في الحرب، يجد المرء نفسه فجأة خارج منزله، لا يعرف ماذا يحمل ولا إلى أين يذهب.
خرجنا من دون أن نحمل معنا الملابس أو الطعام أو المال أو أي شيء.
نمنا في السيارة، ووصلنا إلى العاصمة بعد ساعات طويلة بسبب الازدحام.
لم يستقبلنا أحد، فقضينا الليل في الشارع حيث بقينا ثلاثة أيام قبل أن نحظى بمركز إيواء هو عبارة عن مدرسة".
وتوضح لـ" العربي الجديد": " أنا حامل في الشهر السابع، ولديّ طفل بعمر أربعة أعوام وطفلة بعمر خمسة أعوام.
وضعي الصحي صعب، أعاني من داء السكري وثقب في القلب، وترقق في بطانة الرحم.
حملي حساس ومُعرّض للخطر، ويحتاج إلى متابعة دائمة.
لا أستطيع الجلوس على الأرض أو النهوض بسهولة، وأتعب بسرعة.
نصبوا لنا خيمة داخل المدرسة قرب الحمامات (دورات المياه)، كي أكون قريبة منها، لكن الوضع مرهق جداً، وأكثر ما أخشاه اليوم الولادة المبكرة.
أعاني من تسارع في دقات القلب، فكيف الحال مع الحمل وداء السكري؟ ".
وتضيف عيسى: " لم أستطع إحضار أدويتي، ولا أملك أي مستلزمات على الإطلاق.
منذ أن وصلنا، لم يسألنا أحد عن احتياجاتنا الطبية.
لم تأتِ أي لجنة صحية، ولم يتفقد أحد أوضاعنا في المدرسة.
كنا نعيش بكرامة في بيوتنا، ولم نكن بحاجة إلى أحد، أما اليوم فنحتاج إلى كل شيء".
ويقول رضا الموسوي، مستشار وزير الصحة العامة لـ" العربي الجديد": " جرى تعميم خطة وزارة الصحة لتغطية النازحين بالكامل في المستشفيات الحكومية، وبالنسبة إلى الأدوية والمتابعة الطبية ما قبل الولادة، فيمكن أن تتوجه النساء إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية في المناطق للحصول على الخدمات اللازمة".
لكن الرواية الرسمية لا تعكس بالضرورة ما تختبره النساء على الأرض، إذ تبدو الفجوة واضحة بين ما يُعلَن من جاهزية وتغطية كاملة وبين واقع النزوح في لبنان كما تعيشه الحوامل في مراكز الإيواء.
وتقول مريم عباس التي نزحت مع أطفالها الأربعة، وهي حامل بطفلها الخامس، من بلدة الحلّوسية (جنوب) إلى ثانوية الحريري الثانية في بيروت: " نزحتُ في اليوم الأول لبدء العدوان الإسرائيلي.
لم أستطع أخذ أي شيء من المنزل.
أنا الآن في الشهر الثامن، ولم يبقَ على موعد ولادتي سوى نحو 12 يوماً.
ستكون ولادتي قيصرية، لذلك وضعي حساس ويحتاج إلى متابعة طبية".
وتضيف لـ" العربي الجديد": " لم يسألني أحد عن وضعي الصحي منذ أن وصلت، ولم تتواصل معي أي جهة طبية.
حتى ملابس الولادة الخاصة بالمستشفى لم أستطع تجهيزها.
فقط أحضرتُ معي أدويتي ووضعتها في حقيبة صغيرة.
في المنزل كان كل شيء متوفراً، أما هنا فجئت من دون أن أحمل شيئاً.
وبالنسبة إلى النظافة، نُقيم في غرفةٍ منفصلة لكننا نتشارك الحمام مع عائلات أخرى، وقد اتفقنا على تدبير سبل النظافة".
وتتابع مريم: " لكن أكثر ما يخيفني هو أن يحدث طارئ صحي وأحتاج إلى دخول المستشفى بسرعة.
وبما أن ولادتي قيصرية فقد يكون أي تأخير خطيراً.
لا نعرف إلى أي مستشفى يمكن أن أذهب، كي ألد بأمان، ولا إذا كان هناك مكان يستقبلنا، نحتاج إلى توضيحات، وإلى معرفة الجهة التي ستتكفل بولادتي، والتنسيق المسبق مع طبيبٍ ومستشفى، لأن موعد العملية قريب جداً".
نزحت منى عاصي مع أفراد عائلتها من بلدة الشهابية (جنوب)، وتقول لـ" العربي الجديد": " لديّ طفل وأنا في بداية حملي، وحتى الآن لا إجراءات صحية تُذكر، ولم يأتِ أي أحد من وزارة الصحة أو من أي جهة لسؤالنا عن أحوالنا.
حملتُ معي فقط الفيتامينات التي كان قد وصفها لي الطبيب".
وتضيف: " مكثنا داخل المدرسة في مطبخٍ صغير يفتقر إلى النظافة.
نحتاج إلى فرشٍ وأغطية، خصوصاً أنني أضطرّ إلى إبقاء النوافذ مفتوحة في هذا البرد كي لا تسوء حالتنا الصحية بسبب الرطوبة العالية.
أما الأولوية فهي أن أحظى بمتابعة طبية لوضعي ولوضع الجنين.
لكن وسط الغياب شبه الكامل للرعاية الصحية والمتابعة الطبية تتحوّل المخاوف الفردية إلى هواجس يومية تثقل كاهل النساء الحوامل في مراكز الإيواء".
وتقول ديانا درويش لـ" العربي الجديد": " نزحتُ من برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأنا حامل في الشهر السادس، وأقيم اليوم مع نحو 35 شخصاً في غرفة واحدة ضمن مدرسة رمل الظريف الرسمية في بيروت.
عندما بدأ القصف الإسرائيلي كانت الضربة قريبة جداً من منزلنا، لذلك خرجنا فوراً.
لم أستطع أخذ أي شيء، لا أدوية ولا ملابس.
غادرنا على عجل".
تضيف ديانا التي نزحت مع أطفالها الثلاثة: " لم تؤمَّن لنا فرشٌ للنوم، ننام على الأرض، جسدي يؤلمني من البرد وعدم الراحة في النوم.
سُجلت أسماؤنا أكثر من مرة لدى جهات عدّة، لكن عندما تصل المساعدات لا نحصل على أي شيء.
لم تأتِ أي جهة من وزارة الصحة أو وزارة الشؤون الاجتماعية لتسأل عن أوضاعنا الصحية.
من حظي أن زوجي يعمل في أحد مستشفيات العاصمة، فإذا شعرتُ بأيّ عارض يمكنني أن أتوجه إلى ذلك المستشفى".
وتختم بالقول: " الحرب بحد ذاتها مخيفة، فكيف إذا كنتِ حاملاً في مدرسة مكتظة بهذه الظروف؟ كنا نعيش بنظامٍ في بيوتنا، نأكل جيداً ونهتم بصحتنا، أما الآن فلا نفكر بالفيتامينات أو التغذية، بل فقط كيف نؤمّن مكاناً ننام فيه".
وكانت وزارة الصحة العامة طالبت بحماية المنشآت الطبية في البلاد، وجدّدت في بيانها في مارس الماضي" تأكيد ضرورة تجنيب الوحدات والمباني الطبية مخاطر الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان"، وذلك" التزاماً بالقانون الدولي وما تنصّ عليه اتفاقيات جنيف التي توفّر الحماية المطلقة للمؤسسات الصحية والمسعفين الذين يقومون بعملهم الإنساني في خضمّ هذه الظروف الصعبة".
ودعت الوزارة" المجتمع الدولي إلى إلزام العدو الإسرائيلي بتطبيق القوانين الدولية، بدلاً من التمادي في العنف وتطبيق شريعة الغاب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك