في تصعيد خطر يتجاوز الاستهداف الأميركي الإسرائيلي للمواقع العسكرية أو السياسية في إيران مع استمرار الهجمات على البنى التحتية الصحية في البلاد، تعرّض معهد باستور في طهران؛ أحد أقدم وأهمّ مراكز الصحة العامة والأبحاث في الشرق الأوسط لغارات جوية، أمس الخميس، ما أدّى إلى تدمير عدد من مبانیه ومختبراته البحثية.
وقد جاء الهجوم بعد يوم واحد من استهداف مركز" توفيق" البحثي الصيدلاني لأدوية السرطان.
ودان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس استهداف المعهد في طهران، مؤكداً أنّ" أضراراً جسيمة لحقت بمعهد باستور في إيران، ما أدّى إلى توقفه عن تقديم الخدمات الصحية".
وأشار، في تدوينة نشرها على منصة إكس، فجر اليوم الجمعة، إلى أنّ ذلك يأتي في حين" وردت أنباء عن وقوع هجمات عدّة على القطاع الصحي في العاصمة الإيرانية طهران في الأيام الأخيرة، وسط تصاعد حدّة الصراع في الشرق الأوسط".
وبعيد وقوع الهجمات، صرّح رئيس معهد باستور في طهران إحسان مصطفوی بأنّ أقساماً رئيسية عدّة في المجمّع البحثي تعرّضت للتدمير، من بينها الأقسام الخاصة بأبحاث الملاریا، وبنك الخلايا، والأبحاث السريرية، والتكنولوجيا الحيوية، بالإضافة إلى وحدات الدعم مثل قسم تكنولوجيا المعلومات ومكتب الهندسة الفنية.
أضاف مصطفوی، في تصريحات لوكالة فارس الإيرانية للأنباء، أنّ المعهد تعرّض للاستهداف ثلاث مرّات في خلال الهجمات التي طاولت المناطق المحيطة به، مشيراً إلى أنّ شدّة موجة الانفجارات تسبّبت كذلك في أضرار كبيرة في مبانٍ ومعدّات أخرى في داخل المجمّع، الأمر الذي جعل استمرار العمل في المبنى المركزي شبه مستحیل في الوقت الراهن.
وأوضح رئيس معهد باستور في طهران أنّ المجمّع المتضرّر يمتدّ على مساحة نحو 23 ألف متر مربّع، ويضمّ 13 مختبراً مرجعياً وطنياً وثلاثة مختبرات مرجعية متعاونة وثمانية مختبرات صحية و23 قسماً بحثياً، بالإضافة إلى مركزَين متعاونَين مع منظمة الصحة العالمية، وثلاثة بنوك حيوية، وثلاثة مراكز بحثية، وثلاث أمانات لشبكات بحثية، إلى جانب وحدة لقاحات ومختبر معتمد من قبل منظمة الغذاء والدواء الإيرانية.
وتابع مصطفوی أنّ معهد باستور في طهران يمثّل مركزاً استراتيجياً مهماً في إيران، خصوصاً في مجالات التشخیص الطبي وإنتاج اللقاحات والأبحاث المتعلقة بالأمراض المعدية، مشدّداً على أنّ استهداف المؤسسات الطبية والصحية يمثّل انتهاکاً واضحاً للمواثيق الدولية.
من جهته، أفاد المتحدّث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في منشور على" إكس"، بأنّ استهداف معهد باستور الصحي البحثي في إيران يتجاوز کونه جريمة حرب، واصفاً الهجوم بأنّه اعتداء على القيم الإنسانية والحضارية.
وأشار بقائي إلى أن استهداف مؤسسة علمية وصحية بهذا الحجم، والتي لعبت دوراً مهماً في مكافحة الأمراض المعدية وتطوير اللقاحات، يمثل تهديداً للبنية الصحية والعلمية.
" معهد باستور" أكثر من قرن في إيرانويُعَدّ معهد باستور في طهران مؤسسة بحثية وإنتاجية وتعلیمية أُنشئت بهدف دعم الصحة العامة ومكافحة الأمراض المعدية.
ومنذ تأسيسه في عام 1920، صار أحد المراكز الرئيسية لإنتاج اللقاحات في المنطقة، وشارك في تطوير برامج للتحصين ومكافحة أمراض عديدة في داخل إيران وخارجها.
وكان المعهد قد تأسّس بعد الحرب العالمية الأولى، عندما كانت إيران تعاني من المجاعة وانتشار الأمراض المعدية، وذلك على أساس اتفاقية وُقّعت في 19 يناير/ كانون الثاني 1920 ما بین وزارة الخارجية الإيرانية ومعهد باستور في باريس.
فصار فرع المعهد في طهران العاشر، من ضمن الشبكة الدولية لمعاهد باستور.
وفي خلال نشاطه، أدّى معهد باستور في طهران دوراً مهماً في مكافحة أمراض مثل الجدري وداء الكلب والسلّ والكوليرا وشلل الأطفال، كذلك أسهم في إنتاج لقاحات استُخدمت في البلاد وعدد من دول المنطقة.
على سبيل المثال، أسهمت لقاحات الجدري التي أنتجها المعهد في برامج التحصين في داخل إيران، كذلك استُخدمت في دول مثل العراق وأفغانستان ومصر.
وأدّى باحثو المعهد أيضاً دوراً مهماً في الجهود الإقليمية التي نجحت لاحقاً في القضاء على الجدري في الشرق الأوسط.
وفي أوائل عشرينيات القرن الماضي، أُنشئ قسم لداء الكلب بعد أن جلب الباحث أبو القاسم بهرامي السلالة التاريخية للفيروس من معهد باستور في باريس.
وقد أسهمت الأبحاث التي أُجریت في هذا القسم في تطوير طرق علاج ووقاية أصبحت لاحقاً جزءاً من الإرشادات المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية.
كذلك أُنشئ قسم لقاح" عصية كالميت غيران" الأساسي الذي من شأنه أن يحمي الأطفال من أشكال السلّ الخطرة، بعد الحرب العالمية الثانية، واستفاد منه نحو 238 مليون طفل في 22 دولة.
وخلال العقود الأولى من نشاطه، شارك باحثو معهد باستور في طهران كذلك في دراسات واسعة حول أمراض وبائية مثل الطاعون والكوليرا والحمّى الراجعة، وأسهمت فرق ميدانية تابعة له في السيطرة على تفشيات مرضية شهدتها مناطق مختلفة من إيران بین أربعينيات القرن الماضي وستينياته.
وأسهم المعهد في مبادرات علمية وصحية أخرى في إيران من قبيل إنشاء قرية خاصة بمرضى الجذام، والمساهمة في تأسيس منظمة نقل الدم في إيران، بالإضافة إلى دعم مشاريع تعقیم مياه الشرب في العاصمة طهران.
وقبل استهدافه أمس، كان معهد باستور في طهران يمضي في نشاطه البحثي، عبر ستّ مجموعات علمية وأكثر من عشرين قسماً بحثياً تعمل في مجالات الأمراض المعدية والصحة العامة والتكنولوجيا الحيوية.
من جهته، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان المؤسسات والمنظمات الصحية الدولية إلى إبداء موقف تجاه الهجمات التي استهدفت مرافق طبية وشركات دوائية ومراكز أبحاث في إيران منذ بدء العدوان.
وكتب بزشكيان، في تدوينة نشرها على" إكس"، في وقت متأخر من مساء أمس، أنّ استهداف المستشفيات والشركات الصيدلانية ومعهد باستور (في طهران)، بوصفه مركزاً للأبحاث الطبية في إيران، يثير تساؤلات حول الرسالة التي يحملها هذا النوع من الهجمات.
أضاف الرئيس الإيراني أنّه، بصفته طبيباً متخصصاً، يطالب منظمة الصحة العالمية وكذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة" أطباء بلا حدود" وجميع أطباء العالم بإبداء ردّ فعل تجاه" هذه الجريمة الواضحة ضدّ الإنسانية".
يُذكر أنّ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بيّن، في تدوينته نفسها المشار إليها سابقاً، أنّ" منذ الأوّل من مارس/ آذار المنصرم، تحقّقت منظمته من وقوع أكثر من 20 هجوماً على الرعاية الصحية في إيران"، مؤكداً أنّ ذلك" أسفر عن تسع وفيات على أقلّ تقدير، من بينها وفاة عاملة صحية في مجال الأمراض المعدية وأحد أفراد جمعية الهلال الأحمر الإيراني".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك