يستعد آلاف السوريين من أصول كردية لتقديم طلبات الحصول على الجنسية السورية ابتداء من يوم الاثنين المقبل، في خطوة طال انتظارها بعد عقود من الحرمان من الحقوق المدنية، وذلك عقب صدور المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026 القاضي بمنح الجنسية للمواطنين من أصول كردية، بمن فيهم" مكتومو القيد"، ممن لا يملكون أي قيد أو وثيقة تثبت وجودهم القانوني.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية، أمس الخميس، أن استقبال الطلبات سيبدأ عبر لجان مخصصة في عدد من المحافظات، ضمن المرحلة الأولى لتنفيذ المرسوم، في محاولة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية والحقوقية تعقيداً في البلاد، والتي تعود جذورها إلى إحصاء استثنائي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962.
وقال مدير الأحوال المدنية في سورية عبد الله العبد الله، عضو اللجنة العليا لتنفيذ المرسوم في تصريح لوكالة" سانا"، إن الوزارة ستباشر تنفيذ الإجراءات اعتباراً من يوم الاثنين المقبل، مشيراً إلى تشكيل لجان في عدد من المحافظات لتسهيل تقديم الطلبات دون الحاجة إلى التنقل.
وأوضح أن اللجان موزعة في محافظات حلب ودير الزور والرقة ودمشق، إضافة إلى خمس لجان في محافظة الحسكة، مع تحديد مدة أولية لتقديم الطلبات تبلغ شهراً واحداً قابلة للتمديد.
وبيّن أن الوثائق المطلوبة بسيطة، وتشمل بطاقة تعريف وسند إقامة من المختار، ويمكن دعمها بوثائق إضافية تثبت الإقامة مثل فواتير الخدمات أو تسجيل الأبناء في المدارس أو عقود الإيجار.
وأضاف أن اللجان ستتولى استقبال الطلبات وتدقيقها، قبل إجراء مقابلات عبر لجنة تضم قاضياً وممثلين عن الجهات المختصة، ثم إحالة الملفات إلى اللجنة العليا لإصدار القرار النهائي من وزير الداخلية، على أن يتولى قسم المعلوماتية تسجيل المعاملات ومنح وثيقة القيد.
وأشار إلى أن التقديم متاح بشكل فردي أو جماعي للأسرة، ويشمل الحاضرين والغائبين، فيما يمكن للمغتربين استكمال الإجراءات لاحقاً عند العودة، مؤكداً أن جميع الإجراءات مجانية بالكامل.
بالنسبة إلى كثيرين، لا يُمثل القرار مجرد إجراء إداري، بل يجسد نهاية مرحلة طويلة من الحرمان من أبسط الحقوق وبداية أمل طال انتظاره نحو إنصافٍ مؤجل.
يقول هلبست مرعي، وهو من أهالي القامشلي: " عشت سنوات طويلة بلا هوية، لا وجود رسمياً لي في بلدي ولا حقوق تضمن لي ولعائلتي حياة كريمة.
كنا نعيش وكأننا غير مرئيين".
ويضيف مرعي لـ" العربي الجديد" أن عائلته عانت كثيراً بسبب وضعها القانوني، مشيراً إلى أنهم اضطروا لدفع مبالغ كبيرة وصلت إلى نحو ثلاثة آلاف دولار للحصول على حق يفترض أن يكون بديهياً لكل إنسان.
ويروي أن ابنته التي درست الطب البشري وتخرجت بنجاح لم تتمكن من متابعة الاختصاص الطبي بسبب وضعها كـ" مكتومة القيد".
ويقول: " كانت صدمة كبيرة لها.
درست وتعبت سنوات طويلة، لكن الواقع منعها من إكمال طريقها، بينما كانت زميلاتها يتابعن تخصصاتهن".
ويضيف أن بقية أبنائه فقدوا الأمل في متابعة الدراسة بعد تجربة أختهم، قائلاً: " كانوا يعرفون أن مصيرهم قد يكون شهادة بلا قيمة ومستقبلاً مجهولاً".
ومع صدور المرسوم الجديد، بدأت العائلة تستعيد بعض الأمل.
ويقول مرعي إن ابنته تستعد للتوجه إلى دمشق لمحاولة بدء اختصاص في طب العيون، لكنه يضيف: " الألم لا يزال موجوداً.
ستبدأ من جديد بينما رفاقها يقتربون من نهاية الاختصاص.
ويرى أن ما عاشته عائلته لم يكن حالة فردية، بل تجربة مشتركة لآلاف الأكراد في سورية، خاصة في مجالات التعليم والعمل والتملك.
ويقول: " كنا ندفع ثمن خطأ لم نرتكبه.
المرسوم الجديد أنصف مكتومي القيد، لكنه جاء متأخراً".
من جهته، يقول الحقوقي أورهان كمال، وهو أيضاً من الذين سُحبت منهم الجنسية سابقاً، إن التقديرات تشير إلى أن أكثر من 120 ألف شخص ما زالوا دون الجنسية السورية، ويضيف لـ" العربي الجديد": " بدء استقبال طلبات التجنيس خطوة مهمة بعد عقود طويلة من المعاناة والصعوبات الحياتية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشها هؤلاء".
ويرى المتحدث أن القضية لا تقتصر على منح الجنسية فحسب، بل تتطلب أيضاً معالجة آثار الماضي، داعياً إلى إدراج المتضررين ضمن مسار العدالة الانتقالية في سورية وتعويضهم عما عانوه خلال السنوات الماضية.
وتعود جذور هذه المشكلة إلى الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962، خلال يوم واحد فقط، وأسفر عن تصنيف الأكراد إلى ثلاث فئات: مواطنون يحملون الجنسية السورية، وأشخاص جُردوا من الجنسية وسُجلوا كـ" أجانب"، وفئة ثالثة غير مقيدة في السجلات الرسمية، عُرفت بـ" مكتومي القيد".
وأدّى هذا الإجراء إلى حرمان عشرات الآلاف من حقوقٍ أساسية، من بينها التعليم، والتملّك، والعمل، وتسجيل الزواج والمواليد والوفيات، ما أسفر عن نشوء أجيالٍ من عديمي الجنسية.
وينص المرسوم الجديد على اعتبار المواطنين السوريين من أصول كردية جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، ويؤكد أن هويتهم الثقافية واللغوية تمثل مكوناً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة.
كما دعا الرئيس أحمد الشرع المواطنين الأكراد إلى تجاهل ما وصفها بـ" روايات الفتنة"، مؤكداً أن المرسوم الجديد يضمن حقوقهم وخصوصياتهم ضمن إطار القانون.
ومع بدء استقبال الطلبات الأسبوع المقبل، ينتظر كثيرون أن تتحول هذه الخطوة إلى بداية فعلية لإنهاء واحدة من أقدم قضايا انعدام الجنسية في سورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك