في شوارع مدينة تستور العتيقة بمحافظة باجة، شمالي تونس، تجلس نساء أمام طاولات صغيرة يرتّبن ما أعددنه من أكلات بأنامل خبيرة حفظت أسرار الوصفات من الأمهات والجدات.
تصطف أطباق أندلسية موروثة في نظام جميل.
حلويات مرصّعة باللوز أو السمسم، ومعجّنات محشوة تعبق باليانسون وماء الزهر.
وحين يمرّ الزوار في هذه الشوارع يعبرون زمناً آخر لا تزال فيه ذاكرة طعم الأندلس حيّة في كلّ لقمة.
وحيث تمتد الحقول الخضراء وتفوح رائحة القمح والزيتون في شمال تونس، لا تبدو الأكلات الأندلسية مجرد وصفات تقليدية.
مع قدوم الموريسكيين إلى تونس بعد سقوط الأندلس حملوا معهم بذوراً وأعشاباً وأساليب طبخ استقرت في البيوت، ثم تمازجت مع منتجات أرض البلاد وصنعت هوية غذائية خاصة لا تزال حاضرة حتى اليوم.
وبحسب المؤرخين، أجبِر الموريسكيون، وهم مسلمو الأندلس الذين بقوا في إسبانيا بعد سقوط آخر ممالك المسلمين، على مغادرة ديارهم بمرسوم أصدره ملك إسبانيا فيليب الثالث عام 1609، وهاجروا إلى شمال أفريقيا، واستقر بعضهم في عدة جهات بتونس، وأسّسوا أو أعادوا بناء مدينة تستور على طراز أندلسي واضح حتى باتت تسمى مدينة الموريسكيين.
ومع دخولهم إلى تونس، ساهموا في الزراعة والعمارة والحرف المختلفة، من بينها الطعام الذي لا يزال يُحتفى به في مطابخ تستور حتى اليوم.
تخبر خديجة، وهي ستينية من سكان مدينة تستور، " العربي الجديد"، بأنّ جدتها كانت تقول إنّ المنطقة كانت تتميّز بعدة أكلات جلبها الموريسكيون وتوارثها المطبخ التونسي جيلاً بعد جيل.
يقول أحمد الحمروني، مؤلف كتاب" الموريسكيون الأندلسيون في تونس": " من أبرز ما يتباهى به الأندلسيون دلالة على أصالتهم وتميُّزهم، أكلات وحلويات لم تكن معروفة في تونس قبل مجيئهم، ويتطلب إعدادها ذكاءً كبيراً وإنفاقاً كثيراً لا تستطيع توفيره إلا عائلات ميسورة، خصوصاً في المناسبات والأفراح، وتغلب عليها الفاكهة التي تحلِّيها وجبن العنز الذي يلطفها والزعفران الذي تثير صفرته الشهية، ومنها ما هو مشترك بين القرى الأندلسية، وأخرى تعرف في إحداها من دون سواها بحسب تنوّع العادات والمنتجات الفلاحية".
كما تتميّز باجة بالمعكرونة التي تُصنعُ في المنزل عبر لف عجين السميد حول أسلاك حديد وتجفيفها ثم طبخها وسقيها، ورش الجبن المسحوق عليها، والبناضج، وهي عجين من سميد يحشى باللحم ويطبخ في الفرن، ويُقال إن الأندلسيين أخفوا الذهب فيه عندما هاجروا.
ويشير الحمروني أيضاً إلى أنّ" تونس متخصصة بطبق الكاباما، وهي مرقة باللحم والبطاطا المقلية قبل الطبخ، والكبكابو، وهي مرقة بالسمك أو اللحم والخضر المصبرة (المخللة).
ومن بين الحلويات الصمَصا، ونوع آخر يسمى القيزاطا في محافظة باجة.
وتتخصص بلدة سليمان في محافظة نابل (شمال)، التي توافد الموريسكيون إليها أيضاً بالكويارس التي تشتهر باسم المرقاز.
وفي تستور نجد أنواع الكيسالس الذي يتضمن قطع لحم ملفوفة تخلط بالبيض والجبن المسحوق، وتعني عين السنيورة، السيدة بالإسبانية، وهي عجين مُغطى بمعجون التمر أو الطماطم يقطع إلى مربعات توضع عليها بعد تحميتها في الفرن، وهي أشبه بالبيتزا الإيطالية وتعرف اليوم بالمالح والحلو.
كما تشتهر المنطقة بالإسفنج، وهي فطائر مغموسة بالعسل أو محلول السكر".
ويؤكد عدد من سكان تستور أن سرّ بقاء هذه الأكلات لا يرتبط بمذاقها فقط، بل بقدرتها على التأقلم، فالمكونات تتغيّر أحياناً بحسب المواسم، وتستبدل توابل بأخرى محلية، لكن الروح تظلّ واحدة من خلال اعتماد الطهي البطيء والمزج المتوازن بين الحلو والمالح، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة.
وتقول رقية النفزاوي، التي تسكن في باجة، لـ" العربي الجديد": " تختلف أطباق باجة عن باقي المناطق، وتعتمد العديد منها على المكسرات واللحم، وهي مكونات باهظة الثمن كان يستخدمها الموريسكيون الذين قدموا إلى تونس وكانوا ميسوري الحال، واستطاعوا الاستثمار في الزراعة والحرف والعمار، لذا تختلف باجة على صعيد العمار عن باقي المناطق.
وتمتزج غالبية الأكلات التي ورثها التونسيون عن الموريسكيين بنكهات تميّز مناطقهم في الأساس".
تضيف" أشهر الحلويات في باجة هي المسمنات، وهي عجين يقلى بالزيت ويغمّس بالقطر ويُرش بالسمسم.
ولا توجد هذه الحلوى سوى في منطقتنا.
ومن أشهر الحلويات أيضاً الإسفنج، وهو نوع فطائر يوجد في الجزائر والمغرب لأنّها حلويات أندلسية في الأصل.
ونحن نعد المعجنات والأجبان بأساليب ورثناها عن الأندلسيين، كما أننا نستخدم أساليب مختلفة عن باقي المناطق في الزراعة".
وفي الأعراس والولائم والمهرجانات التي تقام في باجة عموماً وتستور خصوصاً، تعود هذه الأطباق وتتصدّر المشهد، كأنها إعلان غير مباشر عن هويتها، والأكل ليس مجرد حاجة بيولوجية في شمال تونس، بل مناسبة لاستحضار الجذور.
ورغم انشغال شبان كثيرين في المنطقة بإيقاع الحياة الحديثة يعترفون بأنهم يعودون إلى هذه الأكلات كلما أرادوا الشعور بالإلفة والانتماء.
وتشهد هذه الأطباق إقبالاً كبيراً من الوافدين على المنطقة، خصوصاً خلال المهرجانات السنوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك