واجه مقترح وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، مهندس الاتفاق النووي لعام 2015 مع الولايات المتحدة، للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن لإنهاء الحرب اهتماماً في بعض الأوساط خارج إيران، حيث رحب به رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم.
غير أن هذا الطرح أثار داخل البلاد موجةً من الهجمات من قبل المحافظين ووسائل الإعلام التابعة لهم.
وقد شهدت المسيرات الليلية في طهران هتافات ضد ظريف، حيث وُجّهت إليه اتهامات بـ" الخيانة" و" التجسس"، كما أضرمت النيران في صوره خلال تلك التجمعات.
وکان ظريف قد دعا، في مقال نشره في مجلة" فورين أفيرز" أمس الجمعة، إلى إنهاء الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عبر تسوية سياسية، مقترحاً صفقة تشمل قيوداً على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات وإعادة فتح مضيق هرمز.
واعتبر ظريف في مقال بعنوان" كيف ينبغي لإيران إنهاء الحرب؟ " أن طهران" لم تبدأ الحرب"، لكنها ـ بحسب وصفه ـ تمكنت من الصمود في مواجهة الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت الأراضي الإيرانية خلال الأسابيع الماضية.
وقال إن الضربات الجوية أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص وتدمير مئات المباني، مشيراً إلى أن القيادة الإيرانية استمرت في عملها رغم اغتيال عدد من كبار المسؤولين، وأن القوات الإيرانية ردّت على الهجمات واستهدفت مصالح خصومها.
وأضاف أن بعض الإيرانيين يرون في ما وصفه بـ" النجاح العسكري" سبباً لمواصلة القتال إلى أن" يُعاقَب المعتدون"، بدلاً من البحث عن تسوية تفاوضية.
وأشار إلى تجمعات شعبية شهدتها مدن إيرانية خلال الأسابيع الماضية للتعبير عن دعمها مواصلة المواجهة.
لكن ظريف حذّر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى مزيد من الخسائر في الأرواح وتدمير البنية التحتية، إضافة إلى خطر اتساع الصراع إقليمياً ودولياً.
كما أشار إلى استهداف منشآت مدنية وقطاعات حيوية مثل الأدوية والطاقة والصناعة خلال العمليات العسكرية.
ورأى أن طهران يمكنها استثمار ما اعتبره" تفوقاً في الصمود" لإعلان نهاية الحرب عبر اتفاق سياسي يتضمن فرض قيود على برنامجها النووي مقابل رفع جميع العقوبات المفروضة عليها، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة.
كما اقترح إبرام اتفاقية عدم اعتداء متبادلة بين إيران والولايات المتحدة تتعهد فيها الدولتان بعدم تنفيذ هجمات بعضهما ضد بعض في المستقبل، إضافة إلى إمكانية تطوير علاقات اقتصادية بين البلدين.
وقال ظريف إن مثل هذه الخطوات قد تسمح لإيران بتوجيه مزيد من الاهتمام إلى التنمية الداخلية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بدلاً من التركيز على المواجهة مع الخصوم الخارجيين.
حمد بن جاسم يؤكد مقترح ظريفإلى ذلك، أبدى رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني تأييده المقترحات التي طرحها وزير الخارجية الإيراني الأسبق بشأن الحرب الجارية وسبل الخروج منها، مؤكداً أن تجاوز الأزمة يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة السياسية.
وفي رسالة وجّهها إلى ظريف عقب نشر مقاله نشرتها وسائل إعلام إيرانية، قال بن جاسم إنه قرأ المقترح باهتمام ويوافق على كثير من النقاط التي وردت فيه، خصوصاً ما يتعلق بآليات بدء المفاوضات والحلول الممكنة، واصفاً المقترح بأنه" ذكي".
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الحرب لم تحقق مكاسب حقيقية للمنطقة، بل أدخلتها في مسار أكثر تعقيداً وخطورة، معتبراً أن كلفتها تضمنت تراجع الثقة وفقدان بعض الحلفاء الإقليميين.
وشدد المسؤول القطري السابق على أن الحل الذي طرحه ظريف يمكن أن يشكل مخرجاً فعلياً من الأزمة، إلا أن المشكلة تكمن في الجرأة السياسية اللازمة لإعلانه وتبنيه من قبل الأطراف المعنية.
وأضاف بن جاسم أن الدعوة إلى الحلول" ليست علامة ضعف، بل تعبير عن الشجاعة"، مؤكداً أن المنطقة اليوم بحاجة إلى أصوات من داخل إيران تدفع باتجاه إنهاء الحرب والبحث عن تسوية.
وقال رئيس الوزراء القطري السابق في رسالته مخاطباً ظريف: " قد تكونون على قناعة بأنكم حققتم تقدماً في بعض المجالات، وربما حتى إنجازات تكتيكية مؤقتة، لكن كلفتها كانت واضحة: خسارة جزء مهم من أصدقائكم في المنطقة، وتآكل الثقة التي بُنيت على مدى سنوات.
فأسلوب الرد، وإن بدا في ظاهره قوياً، خلّف آثاراً جانبية عميقة لن يكون من السهل محوها، وإن كان ذلك ممكناً أصلاً، فإن معالجتها ستتطلب وقتاً طويلاً".
وأثار مقال محمد جواد ظريف الذي دعا فيه إلى تفاهم شامل مع الولايات المتحدة وتحسين العلاقات بين البلدين موجة انتقادات حادة داخل إيران، وتحول إلى مادة رئيسية لحملة جديدة ضده من قبل خصومه السياسيين من التيار المحافظ.
وقال الناشط المحافظ سعيد حداديان، وهو منشد ديني معروف، خلال مسيرة ليلية شارك فيها آلاف الأشخاص في طهران، إن ظريف" جاسوس"، ووجه له هجوماً شديد اللهجة قائلاً: " أنت لا تملك الحق في تقديم وصفة للجمهورية الإسلامية.
بعض الناس يرونك جاسوساً.
هل تنتظر الأجهزة الأمنية حتى يكتب ظريف على جبينه أنه عميل لأميركا؟ " وهدد حداديان بأن أمام ظريف ثلاثة أيام للاعتذار عن مقاله، قائلاً: " إذا لم يعتذر خلال ثلاث ليال، فسننطلق في الليلة الرابعة بقافلة إلى منزله".
إلى ذلك، يرى الكاتب المحافظ الإيراني محسن أكبري في منشور له أن المقال الذي نشره ظريف في مجلة" فورين أفيرز" لا يقدّم خطة حقيقية للخروج من الأزمة، بل يعيد إنتاج منطق التفاوض غير المتكافئ مع الولايات المتحدة.
ويضيف أكبري أن المقال يطرح الدبلوماسية بديلاً عن الميدان العسكري، الأمر الذي يُفهم داخل السياق السياسي الإيراني على أنه إضعاف لمنطق الردع والصمود.
وبرأيه، فإن المجتمع الذي عاش سنوات تحت الضغط والعقوبات أصبح حساساً تجاه أي خطاب يُفهم منه التراجع أو تقديم التنازلات، لأن التجربة السابقة أظهرت أن التنازل قد يؤدي إلى مطالب مفرطة في المستقبل.
أكبري: لا يقدّم خطة حقيقية للخروج من الأزمة، بل يعيد إنتاج منطق التفاوض غير المتكافئ مع الولايات المتحدةوفي السياق نفسه، حاول الكاتب محسن مهديان في وكالة" فارس" المحافظة، التي دشنت حملة ضد ظريف، التقليل من أهمية ما طرحه الأخير قائلاً إنه غير مؤثر في عملية صنع القرار الحالية، مشيراً إلى التباين بين ما يقترحه ظريف وبين التصريحات الرسمية لعدد من المسؤولين في الحكومة الإيرانية التي يشارك فيها الإصلاحيون.
وأضاف أنه بينما يدعو ظريف إلى فتح مضيق هرمز في إطار تسوية، يتحدث مسؤولون آخرون عن تغيير النظام القانوني للمضيق أو فرض ترتيبات جديدة بعد الحرب.
ويرى مهديان أن التركيز على نقاط الخلاف الداخلية في ظل الظروف الحالية ليس في محله، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون لما يسميه" إرادة فرض شروط الجمهورية الإسلامية على الأعداء"، داعياً إلى الحديث عن" الانتصار".
في المقابل، حاول ظريف في تعليقه على الهجمات ضدّه التأكيد أن مقاله لم يكن دعوة إلى الانقسام الداخلي، بل محاولة لشرح موقع إيران في الصراع وكسر ما وصفه بالهيمنة الدعائية الإسرائيلية في الغرب، مشدداً على أن" صمود المجتمع الإيراني هو أحد أهم عناصر قوة البلاد في هذه المرحلة".
وردّ وزير الخارجية الإيراني السابق على الهجمات التي طاولته وإحراق صوره خلال مسيرات في طهران، مشيداً بفتاة قامت بإحراق صورته، ومعتبراً أن هذا التصرف يعكس إحساس الجيل الشاب بالمسؤولية والاهتمام بمستقبل إيران.
وقال ظريف في رسالة نشرها عبر" إنستغرام" إن ما يظهره الشباب والنساء الإيرانيون في الشوارع من شجاعة وحضور يعكس روح الصمود والاهتمام بمصير البلاد، مؤكداً أن هذه المشاركة الشعبية تعد من أهم عناصر قوة إيران وأمنها.
وأضاف أن هدف مقاله الأخير في مجلة فورين أفيرز كان توضيح موقع إيران في الحرب الجارية وإيصال صوت الإيرانيين إلى العالم، وليس إثارة الانقسام الداخلي.
كما شدد على أن الإيرانيين لن يخضعوا للضغوط وسيواصلون الدفاع عن بلدهم والمشاركة في بناء نظام عالمي جديد.
وختم رسالته بدعوة الشباب إلى مواصلة حضورهم في الشوارع والتأكيد أن مستقبل إيران لهم ولجميع أبناء الشعب الإيراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك