تعرف الأشياء بأضدادها، وعند ذكر الصلابة النفسيّة Psychological Hardiness لا بدّ من ذكر المرونة النفسية Psychological Flexibility، وقد يتبادر إلى الذهن أنّ العلاقة بينهما علاقة تضاد، ولكن الأمر مختلف تمامًا، فالعلاقة بين الصلابة النفسية والمرونة النفسية علاقة توازي وجهان لعملة واحدة، وقد يكون الفرق بينهما خيط رفيع فكلاهما يؤديان إلى التوازن النفسي والرفاهية الحياتية.
اضافة اعلانيصاحب الصلابة النفسية احتراق نفسي وتحمّل الضغوطات على مضض، بينما تظهر السعادة مرافقة للمرونة النفسية مع وجود الضغوطات.
القوّة أن تسير بعد السقوط وهذا ما يمثّل الصلابة النفسية، ولأنّ تبتسم بعد السقوط ما تمثّله المرونة النفسية.
أصبحت الحياة المعاصرة لكثير من الأفراد تتسم بالحالات المزمنة من اللامعنى وضعف الانتماء للوجود ونكران الذات؛ بسبب المشكلات الأسرية والعلاقات الاجتماعية المتذبذبة والقائمة على تبادل المصالح والمشكلات الصحيّة، والضغوطات المالية المتراكمة، والمفاجآت والصدمات.
وقد لفت انتباه علماء النفس فوّة تحمّل بعض الأفراد لتلك الضغوطات أكثر من غيرهم، فأطلقت سوزان كوباسا) (1979l,Kobassa مصطلح الصلابة النفسيّة لوصف تلك الحالات وتمت إضافته إلى مفردات علم النفس الإيجابي فيما بعد.
تعرّف الجمعية الأميركية لعلم النفس الصلابة النفسية: " بأنّها عملية التكيّف بشكل جيد في مواجهة الشدائد والصدمات والمآسي والتهديدات وحتى المصادر المهمة للتوتّر"وهي مسار فردي يتفاوت الأفراد بمدى قدرتهم على الاحتفاظ به بشكل نسبي حيث يصل الفرد إلى الصلابة النفسيّة بعد تعرّضه لضغط أو مجموعة من الضغوطات ومدى قدرته على الاحتفاظ بصحته الجسمية والنفسية والاتزان الداخلي والخارجي، بحيث يبقى فردًا منتجًا في مجتمعه، ويعمل على تقييم وتذليل الصعاب بشكل منطقي حتى لا تشكّل تهديدًا حقيقيا لوجوده.
تعمل الصلابة والمرونة النفسية كحيلتين دفاعيتين لإعادة التوازن للفرد والتكيّف الصحي مع ضغوطات الحياة الحادّة ولا تخلو حياة الأفراد من المنغصات، ويختلف تجاوب الفرد مع تلك الضغوطات الناشئة عن العلاقات الأسرية مع ما يماثلها من ضغوطات العمل وغيرها، وتلعب العوامل الآتية دورًا مهمًا في تشكيليهما: أسلوب التنشئة الاجتماعية، والعوامل الوراثية، والعوامل البيئية، والدعم الاجتماعي.
وترى سوزان (كوباسا) أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية تتكوّن منها الصلابة النفسية: الالتزام، والسيطرة، والتحدّي.
وإذا لم تؤدِ خبرات الفرد إلى الاتزان النفسي يكون الفرد قد خسر الرهان ووقع فريسة الضغوطات التي تحدّ من دوره في الحياة، وتجعل منه ريشة في مهب الريح.
لا يمتلك الفرد الصلابة النفسية بطريقة عفويّة بل عن تجارب وخبرات وتعرّضه لضغوطات حادّة قد تكون مفصليّة في تاريخ حياته، مما يدفعه للاحتفاظ بخبرات تلك التحديات كعامل دفع نحو النجاح وتغيير المحنة إلى منحة بنضال متواصل دون استسلام للواقع المرير أو مداراة أو تغافل لما يدور حوله، ويحاول جاهدًا تحويلها إلى درس للنمو وتطويرا للذات، مع محاولة تجاوز هذه المواقف بنجاح وجعلها محطة ممر لا مستقر.
يساعد تقدير الذات وفعاليتها من حيث الكفاية والقدرة في تشكيل حصانة للفرد عند مواجهة الأحداث الضاغطة بثقة على الصحة الجسديّة والنفسيّة، فقوّة (الأنا) والتي تشير إلى التوافق مع الذات والمجتمع والخلو من الاضطرابات السلوكية والانفعالية، والشعور الإيجابي بالكفاية والرضا تجعله قادرًا على التنبؤ بأحداث حياته المستقبلة والاستعداد لها وإنتاج مستويات معيّنة من الأداء المؤثّر، فتعينه على كيف يشعر ويفكر، وكيف يحفّز نفسه ويكافئها، وهو ما يطلق عليه في علم نفس الاجتماع الكفاءة الذاتية الناتجة عن: المعرفة، والدافعية، والعاطفة، والاختيار.
ويسهم التفاؤل في حسن تعامل الفرد مع مهام معيّنة بتوقعه بأنّه سيتمكن من تحقيق أهداف مرجوّة في معظم الحالات توافقًا مع خبراته في مهام سابقة.
كما تسهم المرونة النفسيّة وهي حالة الاستجابة الانفعاليّة والعقليّة التي تمكّن الفرد من التكيّف بالتوسط أو القابلية للتغيير أو الأخذ بأيسر الحلول.
ويحاول الفرد ذو الخبرة التكيّف مع ضغوطات الحياة وتوقعها وتحليلها وتفسيرها والتخطيط للخروج من دائرتها.
إن ّالصلابة النفسية والمرونة النفسية تعملان كحائط صد وحماية ضد وصول الفرد إلى حالة اليأس والتي من شأنها أن تخرجه من دائرة الصحة النفسيّة.
تعرف المرونة النفسية: قدرة الفرد على التنظيم الذاتي، واليقظة الذهنية، والقدرة على التكيّف، وإدراك متطلبات المواقف المختلفة والتكيّف معها، والحفاظ على التوازن والالتزام بالقيم المجتمعية، والاستجابة لظروف الحياة وأحداثها ووقائعها والتأقلم مع اللحظة الحاضرة، دون التمسك بالأساليب التقليدية عن وعي وإدراك.
عند وقوع الفرد تحت وطأة الضغوطات الحادّة حينئذٍ يسعى جاهدًا للبحث عن طوق نجاة يفوق قدرات البشر، فيلجأ إلى ما وراء الطبيعة الحسيّة من روحانيات يعتقد جازمًا بدورها في إخراجه من الصراعات التي يعاني منها، ويلبي ذلك التعلّق نداء معتقداته ليحصل على الراحة النفسيّة، وعندما لا يكون ذلك مجديًا يشرع بإلقاء اللوم على القدر أو الحظ، وللناس في ذلك مذاهب حسب مرجعيتهم الأيديولوجية، فمنهم من تكون مرجعيته خليطا من الخرافات والخزعبلات والسّحر والشعوذة والتشوهات المعرفيّة التعويضيّة.
ومنهم من تكون مرجعيته الرسالات السماوية.
تلعب مصادر التنشئة الاجتماعية كالأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والبيئة المحيطة، وجماعة الرفاق والرعاية الداعمة والمستقرة منذ الطفولة دورًا محوريًا مع ما يمتلكه الفرد من مهارات التنظيم الذاتي، بالإضافة إلى التجارب والخبرات السابقة، والشعور الدائم بالسيطرة على ضغوطات الحياة، وتوقع حدوثها في أي وقت، والاعتقاد الجازم بأنّ لكل مشكلة حلا، وأنّ ضغوطات الحياة لا تدوم، ويلعب العلاج المثلي دورًا في التخفيف من المعاناة؛ أي مقارنة ضغوطات الفرد التي يمر بها بضغوطات غيره المشابهة لما يمر به من ضغوطات، فتهون عليه مصيبته.
إن مدى معرفة الفرد بأنّ الصلابة النفسيّة لا تنفي وقوع الأحداث الضاغطة، ولكنها تمثّل مصدرًا موثوقًا للمقاومة الإيجابية، كما لا يمكننا منع العاصفة ولكن يمكننا من التخفيف من آثارها واتقاء شرها.
في زمن الضغوطات الحادّة التي نعيشها نشعر وكأنّها قيدتنا ومن ثمّ ألقتنا في اليم وقالت: إياك إياك أن تبتل بالماء، فهي تحيط بنا من كلّ جانب وكأنها قدر على من يعيش في بقعة جغرافية معينة، أو ينتمي إلى دين معين، أو من يحمل فكرًا مغايرًا لفكر مجتمعه، أو من يحمل لون بشرة مختلفة.
وهنا تظهر الصلابة النفسية لتحدثنا: ضاقت واستحكمت ومن ثمّ فرجت، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
كل ذلك لا يعفي القائمين على التنشئة الاجتماعية لأطفالنا بأن يستسلموا للواقع، بل حافز للبحث عن حلول تحصّنهم من كلّ ما من شأنه مضاعفة تلك الضغوطات وتجاوزها إلى بر الأمان.
وللمدرسة الدور الأكبر في استغلال المساحة الواسعة من الصلاحيات لتدريب الطلبة على الصلابة النفسية وألّا تكون أحد أسباب الضغوطات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك