إربد- في وسط مدينة إربد، وعلى امتداد شوارعها القديمة التي ما تزال تحتفظ برونق الماضي وروح التراث، تقف عمارة جمعة شامخة، شاهدة صامتة على أكثر من مائة عام من الحكايات والتحولات التي شهدتها المدينة وسكانها.
هذا المبنى التراثي الذي يعرف باسم" بيت جمعة" ليس مجرد بناء، بل هو سجل حي لتاريخ المدينة، يعكس التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر العقود.
اضافة اعلانيتكون بيت جمعة من ثلاثة طوابق، ويتميز بطابعه المعماري التراثي الذي يعكس أسلوب العمران السائد في أوائل القرن العشرين.
جدرانه الحجرية، ونوافذه العريضة، وأروقته الداخلية، تعكس لمسة معمارية فريدة تجمع بين العمارة العربية التقليدية والتأثيرات الأوروبية البسيطة التي كانت شائعة في تلك الفترة.
على مدى عقود، احتضن المبنى غرفة تجارة إربد في ستينيات القرن الماضي، ليصبح مركزا للحركة الاقتصادية والتجارية في المدينة.
في تلك الفترة، كان الطابق المخصص لغرفة التجارة نقطة التقاء للتجار وأصحاب الأعمال، حيث عقدت الاجتماعات واتخذت القرارات التي أثرت بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي في المحافظة.
كما شهد المبنى مناقشات واتفاقيات تجارية مهمة، وجعل منه مرجعا للعديد من أبناء المدينة الذين ارتبطت حياتهم المهنية والاجتماعية به.
إضافة إلى دوره التجاري، لعب بيت جمعة دورا سياحيا بارزا من خلال احتضانه فندق الملك غازي، الذي أصبح علامة بارزة في ذاكرة المدينة.
استقبل الفندق المسافرين والتجار والزوار من مختلف المناطق، وكانت لهم فيه ذكريات لا تُنسى، سواء خلال الإقامة أو الاجتماعات الاجتماعية والتجارية التي كانت تقام داخله.
هذا التنوع في استخدام المبنى جعل منه فضاء اجتماعيا وثقافيا، يحفظ بين جدرانه قصص الناس اليومية، ويروي نمط حياة سكان إربد عبر أجيال متعاقبة.
ومع مرور الوقت، تدهورت حالة المبنى نتيجة الإهمال وكثرة المشاريع العمرانية الحديثة التي حولت وسط المدينة إلى منطقة مزدحمة، إلا أن قيمته التاريخية والمعمارية ظلت محفورة في ذاكرة أبناء إربد.
بدوره، أكد الناطق الإعلامي باسم بلدية إربد الكبرى، غيث التل، أن البلدية تسعى ضمن مشروع تطوير وسط المدينة إلى إعادة إحياء المبنى التراثي الذي استملكته مؤخرا، بهدف تحويله وتشغيله مجددا كفندق يدمج بين الطابع التراثي والقيمة التاريخية للمكان، ويعيد إليه مكانته كأحد أبرز المعالم الثقافية في المدينة.
وأوضح التل أن هذا المشروع يأتي ضمن خطة أوسع للبلدية تضمنت استملاك العديد من البيوت التراثية في وسط المدينة، سعيا للحفاظ على هويتها التاريخية وإعادة تأهيلها، بما يعكس أصالة العمارة الأردنية ويبرز التراث الحضري الغني لإربد.
وأشار التل إلى أن أعمال التأهيل والصيانة ستشمل الجوانب الإنشائية والمعمارية كافة للمبنى، مع التركيز على إبراز التفاصيل التراثية المميزة، التي تمثل جزءا من ذاكرة المدينة وثقافتها، مؤكدا أن الهدف ليس مجرد ترميم المباني، بل خلق تجربة سياحية وثقافية متكاملة، تتيح للزوار والمواطنين التعرف على التراث وإعادة ربطهم بتاريخ المدينة.
وأضاف أن إعادة تشغيل المباني التراثية في وسط المدينة كمرافق سياحية وخدمية يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، ويعزز من مكانة إربد على خريطة السياحة الثقافية في الأردن، كما يرسخ الهوية التاريخية للمدينة ويمنحها حياة جديدة تتناغم مع متطلبات التطور الحضري المعاصر.
وأفاد التل بأن البلدية تعمل بالتعاون مع جامعة اليرموك لضمان أن تراعي عمليات التأهيل والترميم المعايير العلمية والتاريخية، وتضمن استدامة المباني التراثية، لتصبح نموذجا يحتذى به في المحافظة على التراث وإعادة توظيفه، بما يعكس الرؤية الشاملة لتطوير وسط المدينة وتحويله إلى مركز نابض بالحياة يجمع بين الثقافة، السياحة، والخدمات الحديثة.
ويؤكد خبراء التراث العمراني أن إعادة تأهيل بيت جمعة تعد خطوة مهمة لتعزيز الهوية الثقافية للمدينة، وإبراز قيمة المباني التاريخية التي تحمل بين جدرانها قصص الناس وأحداث الماضي.
كما يشيرون إلى أن المشروع يمكن أن يكون نموذجا لاستثمار المباني التراثية بطريقة مستدامة تجمع بين الحفاظ على التراث وتحفيز النشاط الاقتصادي، ما يخلق فرص عمل ويعيد الحركة إلى وسط المدينة.
ولم يكن بيت جمعة مجرد مبنى، بل كان جزءا من حياة الناس اليومية.
كبار السن في إربد يروون كيف كانت الاجتماعات في غرفة التجارة تشكل محور النشاط الاقتصادي، وكيف كان الفندق نقطة التقاء للتجار والمسافرين الذين كانوا يتبادلون الأخبار والصفقات، ويصنعون صداقات امتدت سنوات طويلة.
هذا البعد الاجتماعي للمبنى يعكس أهميته ليس فقط من الناحية المعمارية أو الاقتصادية، بل أيضا من الناحيتين الثقافية والاجتماعية.
ويأمل القائمون على المشروع أن يصبح بيت جمعة نموذجا لإحياء التراث العمراني في إربد، ويحفز على الاهتمام بالمباني القديمة، ويعيد الاعتبار إلى وسط المدينة الذي يضم شواهد تاريخية يمكن أن تكون نقاط جذب ثقافية وسياحية، تعكس تاريخ المدينة وتطلعاتها نحو المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك