وصلت إلى السلطة في دمشق جماعة سياسية ذات أصول سلفية وجهادية منذ عامٍ وأزيد.
غادرت بعض تلك الأصول إذا ما قورنت بتنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) أو حرّاس الدين، أو جماعات طائفية متشدّدة تريد سوريّة دولة إسلامية خالصة.
تتحفظ السلطة الجديدة، وبشكلٍ منهجي، على مصطلح الديموقراطية، وقادت مساراً سياسياً، لا يقود إلى تحقيقها، بل إلى" انتخابات حرّة" في نهاية المرحلة الانتقالية التي قال بها الإعلان الدستوري، خمس سنوات، الذي كتبته لجنة شكلها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بنفسه.
وقد سمح المسار السياسي هذا لأفراد الجماعة التي حلّها الشرع، هيئة تحرير الشام، بالتحكم الدقيق في كامل مفاصل السلطة والدولة.
ويتيح هذا لها السيطرة على كل السياسات الداخلية والعلاقات الخارجية، والموقف من كل تطورات المنطقة، وبما يؤدّي إلى تعزيز سيطرة هذه" الجماعة" على الدولة.
وسّعت السياسات الاقتصادية طبقة الفقراء، ولم تَدعم وزارة الاقتصاد مصالح الصناعيين والتجارهناك، ولا شك، نجاحات للشرع في العلاقات الخارجية، وجديدها أخيراً زيارتاه لألمانيا وبريطانيا، والانفتاح على الإدارة الأميركية وأوروبا، وبغضّ النظر عن النتائج التي ستقود سورية إلى النهوض، فهذا لم يتحقق بعد، فلم يبدأ نظام سويفت بالعمل، وليست هناك استثمارات تذكر، ولم ينعقد مؤتمر لإعادة الإعمار، وحتى التمثيل الدبلوماسي المتكافئ لم يحصل، وهذا انعكس على تقييد أيدي الداعمين الخليجيين أو حتى تركيا التي ترفض الدولة الصهيونية أن يكون لها علاقات مميزة مع دمشق، وبالتالي هناك تعقيد هائل في الوضع الداخلي السوري.
التعقيد هذا، أصبحت آثاره واضحة، فهناك أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، واحتجاجات شعبية متتالية، مصدرها هذه الأزمات بالتحديد.
وعدا ذلك، هناك سياسات في إدارة الوزارات بدأت تعطي ثماراً مرّة.
ففي السياسات الاقتصادية توسّعت طبقة الفقراء، ولم تَدعم وزارة الاقتصاد مصالح الصناعيين والتجار، وفي توجّهات وزارة الثقافة كثير من النقد، وفي الإعلام هناك قرارات قد تؤثر بحرية الإعلام، ولم تغيّر وزارتا الدفاع والداخلية من توجهاتهما" السُّنية" في تشكيل قواهما على أسس نابذة لبقية الجماعات الدينية في سورية، ولا تزال العلاقة مع الكرد تشوبها تعقيدات كثيرة، رغم عدّة توافقات تحققت في سياق" الاندماج" مع سلطة دمشق وإداراتها، وكانت حصيلة تعميم لمحافظ دمشق بخصوص تنظيم موضوع المشروبات الكحولية كارثية بكل معنى الكلمة.
كل هذه المقدّمة، ليشير هذا النص إلى أن سورية تعاني إشكالية طائفية كبيرة، سابقة لهروب بشّار الأسد وتالية له؛ كان هذا وأبوه قد لعبا بورقة الطوائف، حتى وضعاها قبالة بعضها بشكلٍ متأزم، وأصبح الأمر أكثر تطييفاً بعد الثورة في 2011 حيث دفع بشّار هذه الورقة إلى أقصاها، النظام يحمي الأقليات، والثورة سُنية؛ وتوافقت معه في ذلك القوى السلفية والجهادية والإسلامية؛ وتصاعدت الطائفية بصورة خطيرة مع اقترانها بالاعتقالات والقتل والمجازر والبراميل، وكل ممارسات السلطة، التي حدثت في سورية.
الطائفية هذه حاصرت وقائع أخرى، وجود كتلة وازنة متحالفة مع سلطة بشار من السُّنة، ووجود كتلة من كل الطوائف ضمن الثورة.
كان الأمر لمصلحة الاتجاه الأول، ولا سيما مع تحوّل الثورة إلى معارك مسلحة، وتحرير المدن، وتدميرها، والتدخل الخارجي الطائفي، وتعزّزت وتفاقمت الطائفية مع تأخر هروب بشار الأسد.
مع هروب الأخير لم تنتهِ الطائفية، إذ من العبث أن نتصوّر عكس ذلك، فالجماعة التي سيطرت على السلطة كانت أحد أطراف الصراع، وهي جماعة طائفية كذلك.
كانت فئات ضمن هيئة تحرير الشام قد بدأت مراجعات خجولة لممارساتها السابقة في إدلب، وتخلّت عن بعضها، ولكنها لم تتبنَّ رؤية متكاملة وقائمة على المواطنة، والمساواة بين السوريين، وبشكل ممنهج؛ يتذكر السوريون هنا بعض محاولات أحمد الشرع للتقارب مع الدروز والمسيحيين في إدلب قبل هروب بشار، ولكن لم يحصل الأمر ذاته مع الشيعة والعلويين؛ خطت هيئة تحرير الشام خطوة أكبر مع لحظة بدء معركة ردع العدوان، وأصدرت قيادتها رسائل للسوريين، أن المعركة ضد السلطة فقط، وقد كانت مطمئنة للعلويين وللشيعة كذلك، ولسواهم، وحتى في أثناء الوصول إلى دمشق، كانت الجماعة أعلاه واعية لخطورة اللعب بالورقة الطائفية.
رفعت تلك الممارسات من شعبية أحمد الشرع، وجماعته والسلطة كذلك؛ كان الخيار مفتوحاً لمزيد من التقدم نحو الدولة الجامعة، المحايدة، والنظام الديمقراطي.
كان الأمر يتطلب نقلة كبيرة، فقد كانت الهيئة تصف الديمقراطية بالكفر، فكيف ستتبناها؟ هذه من أعقد التحديات التي تواجهها السلطة، ودونها ربما خرط الزناد.
المشكلة التي أزّمت القضية الطائفية بشكل حثيث عدم تبنى السلطة رؤية وسياسات جذرية تجاه الموقف من هذه القضية وبالضد منها وتفكيكها.
عوين الأمر بعدم تجريمها الانتهاكات الواسعة التي حدثت، ولا سيما ضد العلويين والشيعة والدروز، وأيضاً مع السوريين كافة كذلك؛ وحدثت مجازر مروعة ضد العلويين والدروز في 2025 ولا تزال آثارها مستمرة؛ فالسويداء تكاد تغادر سورية، ويشعر العلويون بأنهم" أهل ذمة"، وأخيراً، بدأت الطوائف المسيحية بالابتعاد عن معالجة المشكلات مع أفرادها بصورة تخفف من التأزم، وانتهى الأمر بإجماع قادة هذه الطوائف على اقتصار الصلوات" الاحتفالية" بـ" عيد الشعانين" داخل الكنائس.
لم تغيّر وزارتا الدفاع والداخلية من توجهاتهما" السُّنية" في تشكيل قواهما على أسس نابذة لبقية الجماعات الدينية في سورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك