نواكشوط –«القدس العربي»: تشهد العاصمة الموريتانية نواكشوط، حاليا بعض التوتر الناجم عن رفض المعارضة للإجراءات التي اتخذتها الحكومة في مواجهتها لأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وبعد أن رفضت السلطات الترخيص لمسيرة طلب حزب «موريتانيا إلى الأمام» السماح له بتنظيمها للاحتجاج على ارتفاع الأسعار، اندفعت حركة «كفانا» الشبابية وحزبها «حزب التحدي» إلى الميدان في مظاهرة احتجاجية، مساء الأحد.
وقد واجهت الشرطة هذه التظاهرة بالقوة وفرقت المشاركين في هذا الاحتجاج بحجة أنه «نشاط غير مرخص طبقا للنظام، وبحجة أنه سيقود للفوضى والتسيب»، وفقا لما أكده مصدر أمني.
وردد نشطاء وسياسيون شعارات ترفض الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وهو ارتفاع يندرج في سياق اقتصادي ضاغط يتفاقم منذ أشهر بفعل تقلبات الأسواق العالمية وتداعيات الأزمات الدولية.
واندلعت الاحتجاجات في محيط سوق العاصمة الكبير، حيث حاول المشاركون التجمع ورفع شعارات تندد بغلاء المعيشة وتطالب السلطات بمراجعة سياساتها الاقتصادية، غير أن قوات مكافحة الشغب كانت قد فرضت طوقاً أمنياً مشدداً على المنطقة، قبل أن تتدخل لتفريق المتظاهرين باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع والهراوات، ما أدى إلى وقوع مناوشات في الشوارع الفرعية القريبة.
وأفاد نشطاء بتسجيل حالات إغماء في صفوف المحتجين نتيجة الاختناق، فيما أوقفت الشرطة عدداً من المشاركين.
وفي تطور لافت، دخل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان على خط الأحداث، حيث أصدر بياناً شديد اللهجة أدان فيه ما وصفه بـ»قمع التظاهرة السلمية»، معتبراً أن ما جرى تخلله «استخدام مفرط للقوة ضد المواطنين»، ومشدداً على رفضه المطلق لأي مساس بالحق في التظاهر السلمي، بوصفه «حقاً دستورياً أصيلاً لا يجوز تقييده أو مصادرته».
وأكد المرصد أنه يتابع «بقلق بالغ» ما شهدته التظاهرة، معرباً عن استنكاره لما اعتبره «انتهاكاً واضحاً للحقوق والحريات الأساسية المكفولة دستوراً»، كما طالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموقوفين، داعياً إلى فتح تحقيق «جاد وشفاف» لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين في أعمال القمع.
وفي السياق ذاته، قدم أحمد سالم بوحبيني، النقيب السابق للمحامين والرئيس السابق للجنة الوطنية لحقوق الإنسان، قراءة قانونية للأحداث، أكد فيها أن الحق في التظاهر السلمي يعد من الحريات الأساسية المكفولة دستورياً والمحمية كذلك بموجب التزامات موريتانيا الدولية.
وأوضح بوحبيني أن تنظيم هذا الحق يجب أن يظل في إطار التيسير لا التعطيل، وفي حدود ما تقتضيه المحافظة على النظام العام، مشدداً في المقابل على أن تدخل القوة العمومية ينبغي أن يخضع لمبدئي الضرورة والتناسب، بحيث لا يُلجأ إلى القوة إلا عند الضرورة القصوى، وبالقدر الذي يفي بالغرض دون تجاوز أو إفراط.
وأشار إلى أن أي إخلال بهذين المبدأين يثير إشكالات جدية تتعلق بالمشروعية، لافتاً إلى أن التعامل مع الفاعلين السياسيين، خصوصاً قيادات الأحزاب، يتطلب قدراً أكبر من التحفظ والمسؤولية، بما يضمن احترام التعددية السياسية وصون الفضاء العام من التوتر.
وأضاف أن ما حدث يستدعي الوقوف على ملابساته بدقة، وتحديد مدى احترام الإجراءات المتخذة للأطر القانونية المنظمة، وذلك في إطار من الشفافية والمساءلة، مؤكداً أن «دولة القانون لا تُقاس فقط بوجود النصوص، بل بمدى احترامها في الممارسة».
وفي سياق متصل، اتهم ائتلاف التناوب الديمقراطي السلطات الحاكمة بمواصلة التغاضي عن معاناة المواطنين، في وقت تعيش فيه البلاد أزمة متفاقمة سببها انتشار الفساد وضعف الحكامة.
وأوضح الائتلاف، الذي يضم عدداً من القوى السياسية، أن تجاوز هذه الوضعية المعقدة يمر حتماً عبر تشكيل جبهة موحدة تقف إلى جانب المواطنين، وتتصدى لما وصفه بسياسات النظام، مع العمل على بلورة بديل ديمقراطي قادر على إنقاذ البلاد من الانحدار.
ودعا الائتلاف، في بيان له، مختلف مكونات المعارضة إلى توحيد الجهود وتنسيق العمل السياسي والنضالي، لمواجهة ما اعتبره توجهاً يستهدف إضعاف المعارضة وتقويض دورها.
وحمل الائتلاف النظام مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية، مشيراً إلى تفاقم معدلات الفقر واتساع دائرة المعاناة، ومبرزاً أن فرض ضرائب جديدة، من بينها تلك المتعلقة بالمعاملات الرقمية وخدمات الهاتف، زاد من الأعباء على المواطنين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المحروقات، الأمر الذي انعكس في موجة غلاء شملت مختلف السلع والخدمات.
كما عبّر الائتلاف عن استنكاره لقرار منع وقفة احتجاجية كان حزب «موريتانيا إلى الأمام» يعتزم تنظيمها، معتبراً ذلك مساساً بحق التظاهر السلمي الذي يكفله الدستور والمواثيق الدولية.
وفي السياق ذاته، اعتبر الائتلاف أن الدعوة التي أطلقها حزب «تجديد الحركة الديمقراطية (تحدي)» للنزول إلى الشارع في مظاهرات سلمية تندرج ضمن الحقوق المشروعة، مؤكداً أن تدهور القدرة الشرائية بلغ مستويات غير مسبوقة، وأن محاولات تقييد الحريات لن تحول دون مطالبة المواطنين بحقهم في العيش الكريم.
وأعادت هذه التطورات طرح أسئلة متجددة حول هامش الحريات العامة في البلاد.
وفي هذا السياق، اعتبر النائب المعارض محمد بوي الشيخ محمد فاضل، أن ما جرى يتجاوز مجرد أزمة أسعار، ليطرح إشكالات أعمق تتعلق بتقييد حق التظاهر والتضييق على الإعلام، متسائلاً عن دور مؤسسات المعارضة والأحزاب السياسية وهيئات حقوق الإنسان في مواكبة هذه التطورات.
وتأتي هذه الاحتجاجات في ظل تصاعد حالة الاحتقان الاجتماعي المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود، والتي انعكست بدورها على أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات الأساسية، ما ضاعف من الأعباء على المواطنين، خاصة في الأحياء ذات الدخل المحدود.
وكانت الحكومة قد عزت في مواقف سابقة، هذه الزيادات إلى ارتباط الأسعار المحلية بتقلبات السوق الدولية، في ظل اضطرابات مستمرة في أسواق الطاقة العالمية.
ويرى متابعون لهذا الشأن أن استمرار الضغوط الاقتصادية، بالتزامن مع اعتماد مقاربة أمنية في التعامل مع الاحتجاجات، قد يدفع نحو مزيد من التصعيد، ما لم يتم احتواء الأزمة عبر آليات الحوار السياسي والاجتماعي، في وقت لم يصدر فيه حتى الآن تعليق رسمي مفصل بشأن أحداث الأحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك