تواصل السينما العالمية انشغالها المتصاعد بجدلية الذكاء الاصطناعي، عبر فيلم «Mercy» الذي يطرح تصوراً قاتماً لمنظومة قضائية مؤتمتة تُدار بالكامل بواسطة خوارزميات متقدمة تحمل الاسم ذاته.
هذا النظام يتولى الفصل في عدد هائل من القضايا خلال زمن قياسي، مع إقرار صريح بإمكانية وقوعه في الخطأ… ولكن بعد تنفيذ الأحكام، حيث يصبح التراجع مستحيلاً.
بإدارة المخرج الروسي تيمور بيكمامبيتوف، يقدّم الفيلم أطروحة درامية تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الأخلاقيات القانونية، عبر سردية محكمة تُشكك في موثوقية «الحقيقة» حين تُصاغ رقمياً.
ورغم جدة الفكرة وانسجامها مع راهن الثورة التقنية، فإن العمل يتكئ على اعتراف جوهري: العدالة المؤتمتة ليست معصومة من الخطأ.
تتمحور الأحداث حول القاضية مادوكس، التي تجسدها ريبيكا فيرغيسون، والتي تعتمد في أحكامها على مخرجات نظام «ميرسي» التحليلي.
في المقابل، يقف الضابط كريس رافن – بأداء كريس برات – متهماً في قضية معقدة، حيث تُواجهه المحكمة بأدلة بصرية مُولّدة رقمياً، تعيد تركيب الوقائع عبر ذاكرة اصطناعية قادرة على محاكاة الأحداث بدقة مُقلقة، إلى حد التلاعب بالإدراك البشري للحقيقة.
تكمن قوة الفيلم في مساءلته العميقة لفاعلية الذكاء الاصطناعي كمرجعية حضارية، خصوصاً مع قدرته على إنتاج صور ووقائع مُفبركة لا يشوبها شك ظاهري.
هذا الطرح يفتح الباب أمام مخاطر جسيمة، حيث يصبح الأبرياء عرضة للإدانة ضمن منظومة تبدو محكمة ظاهرياً، لكنها قابلة للانحراف.
يستعرض العمل نموذجين صارخين لخلل العدالة الرقمية: أحدهما أُعدم ظلماً، بينما نجا الآخر بأعجوبة بعدما تمكن من تقديم أدلة ميدانية تنقض السردية الاصطناعية التي اتهمته بقتل زوجته.
المفارقة أن هذا الناجي كان جزءاً من المنظومة، مساهماً في اعتقال مجرمين عبر «ميرسي»، قبل أن ينقلب النظام عليه.
تتصاعد الحبكة عبر خط درامي مشحون، يقوده شرطي يسعى للانتقام بعد إدانة شقيقه ظلماً، فيُخطط لتفجير مقر النظام في لوس أنجلوس، بالتزامن مع محاكمة رافن، الذي يتحمل بدوره جزءاً من المسؤولية عن المأساة.
ويبلغ التوتر ذروته حين يختطف ابنته، في محاولة لتحويل المأساة الشخصية إلى فعل انتقامي شامل.
يعتمد الفيلم على تصعيد بصري متقن، حيث تُعرض الوقائع على شاشات عملاقة داخل مركز «ميرسي»، في مشهدية تُعزز الطابع الرقمي البارد للسرد.
ومع اقتراب الكارثة، تضطر القاضية مادوكس إلى كسر قواعد النظام، مُحررة رافن ليتدخل ميدانياً لإنقاذ المركز وابنته، في لحظة تعيد الاعتبار للعامل البشري في مواجهة الخوارزمية.
يُختتم الفيلم بجملة دلالية: «كلنا نرتكب الأخطاء ونحن نتعلم»، في إشارة واضحة إلى هشاشة الكمال التقني أمام تعقيد الطبيعة الإنسانية.
على الصعيد التقني، يبرز الفيلم بحرفية عالية في توظيف الصورة الرقمية والمعالجة البصرية، مدعوماً بسيناريو متماسك للكاتب ماركو فان بيل، وموسيقى تصويرية مؤثرة من توقيع رامين جوادي، فيما يتولى إدارة التصوير التقني خالد محتسب.
ويشارك في البطولة إلى جانب الأسماء الرئيسية كل من: كالي ريس، أنابيل واليس، كريس سوليفان، كيلي روجرز، جيفي بيار، رافي غافرون، كينيث شوا، جيمي ماكبرايد، مارك دانيري، وهايدن دالتون.
الفيلم، الذي صُوّر في لوس أنجلوس بميزانية بلغت 60 مليون دولار، عُرض في الصالات الأميركية ابتداءً من 23 ديسمبر 2025، محققاً إيرادات أولية وصلت إلى 22 مليون دولار، في انتظار ما ستسفر عنه دورته التجارية، وسط تباين نقدي حول أطروحته الجريئة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك