القدس العربي - سوريا.. ضبط مليوني حبة كبتاغون معدة للتهريب وتوقيف شخصين بطرطوس سكاي نيوز عربية - تأهب وأوامر إخلاء.. ماذا حدث في محطة الفضاء الدولية؟ القدس العربي - مكتبة قطر تطلق دورات «مفاتيح فلسطين» لتوثيق التجارب اليومية القدس العربي - البنك الدولي يقرّ تمويلا بـ900 مليون دولار لتطوير الطرق في العراق القدس العربي - وزارة البيئة العراقية تتعهد باستعادة دورها الرقابي والتنفيذي رويترز العربية - أمريكا: فرضنا عقوبات على شبكة لتهريب غاز البترول المسال الإيراني قناه الحدث - الوكالة الذرية: إصابة جنود روس بقصف قرب محطة زابوريجيا النووية القدس العربي - وزير المالية: الانهيار هو وضع الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية قناة الجزيرة مباشر - مجمع ناصر الطبي: استشهاد فلسطينيين اثنين في غارة إسرائيلية على خيام النازحين في خان يونس beIN SPORTS-YouTube - زفيريف يتخطّى عقبة منشيك ويبلغ النهائي
عامة

التضامن الخارجي أم الأمن الغذائي الداخلي؟

إيلاف
إيلاف منذ 1 شهر
1

تشكل قضية ارتفاع أسعار السلع والبضائع والمواد الغذائية في العراق واحدةً من أخطر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد في المرحلة الراهنة، ولا سيما في ظل التوترات الإقليمية والحرب الدائرة ب...

ملخص مرصد
تشهد العراق أزمة اقتصادية حادة بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وسط غياب إجراءات حكومية فعالة لمواجهتها. بلغت الشائعات المضللة 534 شائعة في شهر، مما فاقم الفوضى في الأسواق ورفع الأسعار. في المقابل، نجحت إيران في تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين عبر دعم حكومي وتضامن اجتماعي.
  • ارتفاع أسعار السلع الغذائية في العراق بسبب غياب الرقابة الحكومية (بحسب وزارة الداخلية)
  • 534 شائعة مضللة خلال شهر أدت إلى هلع مجتمعي وارتفاع جنوني في الأسعار
  • إيران نجحت في دعم المواطنين عبر تخفيض الضرائب وتضامن تجاري (قال الخبير عبد الرحمن الشيخلي)
من: وزارة الداخلية العراقية، عبد الرحمن الشيخلي، أثير الغريري، الحكومة الإيرانية أين: العراق، إيران

تشكل قضية ارتفاع أسعار السلع والبضائع والمواد الغذائية في العراق واحدةً من أخطر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد في المرحلة الراهنة، ولا سيما في ظل التوترات الإقليمية والحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما ترتب عليها من تداعيات مباشرة وغير مباشرة طالت عمق الحياة اليومية للمواطن العراقي.

في خضم هذه الأزمة، برزت مفارقة لافتة بين ما يجري داخل إيران وما يحدث في العراق.

ففي الوقت الذي أظهرت فيه الحكومة الإيرانية مرونةً اقتصاديةً من خلال تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين، وتقديم الدعم، وإعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة، برز دور المجتمع أيضًا في التماسك؛ إذ بادر بعض التجار إلى بيع السلع بسعر التكلفة، وتجنب آخرون رفع الأسعار بالرغم من ظروف الحرب، فضلًا عن مظاهر التضامن الاجتماعي التي عززت الاستقرار الداخلي.

في المقابل، شهد العراق حالةً من الاضطراب والهلع، غذّتها موجة من الشائعات، بلغت، بحسب وزارة الداخلية العراقية، أكثر من 534 شائعة خلال شهر واحد، مما أدى إلى خلق حالة من الذعر المجتمعي.

وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على السوق، حيث سارع بعض التجار إلى رفع الأسعار واحتكار السلع، في حين لم تتخذ الإجراءات الحكومية الكافية لكبح هذا الارتفاع أو تخفيف الضرائب والرسوم، الأمر الذي أدى إلى أزمات متلاحقة في توفر الغاز والبنزين، فضلًا عن استمرار أزمة الكهرباء وارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية.

في زمن تتلاطم فيه المنطقة بأمواج العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران والعراق ولبنان، يبرز سؤال مرير: لماذا يُعدُّ العراق الاستثناء الأكثر ألمًا؟فبينما تنجح إيران، حكومةً وشعبًا، في امتصاص صدمة الحرب عبر خفض القيود المالية، وإسقاط الالتزامات عن المواطنين، وحتى تخفيض التجار لهوامش ربحهم إلى الصفر، نجد أن العراق يتجه نحو الانهيار الاقتصادي من أوسع أبوابه.

والأغرب أن جزءًا من هذا الانهيار يأتي تحت شعار" التضامن الإنساني والقومي والمذهبي".

أولًا: حرب الشائعات، والهلع الذي صنع الأزمةما إن اندلعت الحرب حتى تحولت الساحة العراقية إلى بيئة خصبة للشائعات والدعايات المغرضة والمشبوهة.

فقد أعلنت وزارة الداخلية العراقية رسميًّا تسجيل 534 شائعة مضللة خلال شهر واحد فقط، موزعة بنسبة 42 بالمئة على" فيسبوك"، و26 بالمئة على منصة" إكس"، و20 بالمئة على" تلغرام"، و12 بالمئة على" تيك توك"، وكان نصفها تقريبًا ذا طابع أمني يهدف إلى بث الرعب في النفوس.

هذا التضليل الإعلامي أشعل فتيل الهلع، فتصرف التجار بجشع مذهل: رفع الأسعار، وتوسيع نطاق الاحتكار، وسط غياب أي رادع حقيقي.

وبينما لجأت بعض الحكومات في المنطقة، مثل الكويت التي أصدرت قرارًا بحظر تصدير السلع الغذائية وتثبيت الأسعار، وكذلك فعلت إيران إذ منعت تصدير الطماطة إلى العراق بتاريخ 7 نيسان (أبريل)، بسبب احتياج السوق الإيراني إليها، نجد أن الحكومة العراقية اكتفت بتشكيل" خلية أزمة" لمتابعة الأسواق، بينما عانى المواطن على أرض الواقع من شح الغاز والبنزين، وأزمة الكهرباء المزمنة، وارتفاع جنوني في أسعار الغذاء والدواء.

وقد وصف الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي الوضع بأنه" صعب وحرج"، مؤكدًا أن النظام الاقتصادي العراقي بات بلا رقابة منذ 2003، وأصبحت الأسواق المحلية عرضة للهزات.

وهذا التشخيص يفسر لماذا لم تنجح" خلية الأزمة" في كبح جماح الأسعار.

ثانيًا: بين تصريحات الحكومة وواقع الأسواق، فجوة لا تُردمأكد وزير التجارة العراقي أثير الغريري أن المخزون الاستراتيجي من الحبوب يكفي لمدة سنة كاملة، والمواد الغذائية لأكثر من 6 أشهر.

لكن هذه التصريحات الرسمية تصطدم بحقيقة مؤلمة: الزيادات في الأسعار التي نلمسها في الأسواق تتركز في المواد التي يعتمد العراق فيها على الاستيراد، مثل اللحوم والبيض، التي تأثرت بارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، والزيوت والسكر والرز، وهي مواد حساسة جدًا لأسعار الشحن البحري.

بل إن الواقع الميداني يكشف عن" فجوة السيطرة" التي تعاني منها الإجراءات الحكومية؛ فهي قادرة على الضبط في المحاصيل الموسمية، كالخضروات والفواكه، التي تعتمد جزئيًّا على الإنتاج المحلي، لكنها عاجزة أمام السلع الصناعية المستوردة.

ففيما يتعلق بالزيوت، ارتفع السعر إلى الضعف، بينما تمكنت الحكومة من خفض أسعار بعض الخضروات قليلًا بعد تصاعد شكاوى المواطنين.

ثالثًا: مفارقة عجيبة، فقير يتصدق على غني!وهنا نصل إلى جوهر المفارقة المؤلمة.

ففي الوقت الذي يعاني فيه العراق من شح في السلع وارتفاع في الأسعار، تخرج مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات الغذائية من محافظات عراقية جنوبية تعاني أصلًا من الفقر، متجهة إلى إيران ولبنان وغزة وسوريا.

السؤال الذي يطرح نفسه بقلق: كيف يمكن لمنطقتنا أن تتعامل مع أزمة نزوح إقليمية حادة أصلًا، حيث يسجل الشرق الأوسط إحدى أعلى المعدلات العالمية من حيث نسبة اللاجئين، ثم نضيف فوق ذلك ضغوطًا إنسانية إضافية على دول مثل العراق الذي يعاني أصلًا من اضطرابات سياسية واقتصادية؟وفق تحليل استخباري موسع، العراق يمثل في الحسابات الإيرانية" عمقًا جغرافيًا دفاعيًا" و" ممرًا لوجستيًا" و" منصة رد غير مباشر".

وهذا يعني أن العراق يُستخدم كورقة ضغط وإمداد، وليس كدولة ذات مصلحة مستقلة.

فهل تدرك القوافل المتجهة إلى الخارج أنها تغذي آلة حرب قد تكون على حساب أمنها الغذائي؟هل يتصور عاقل أن محافظة عراقية جنوبية تعاني أصلًا من الفقر المدقع، تُخرِّج مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات الغذائية إلى إيران ولبنان وغزة وسوريا؟ هذا ما حدث بالفعل.

إيران التي نُرسل إليها المساعدات تمتلك اقتصادًا أكبر وأكثر تنوعًا من العراق، ومخزونًا استراتيجيًا من الغذاء والدواء، وقدرة على الصمود في الحروب بفضل عقود من الحصار.

أما العراق، فمخزونه الغذائي لا يكفي لأكثر من بضعة أشهر، ويعاني من فساد هيكلي، وسيطرة أحزاب على المعابر الحدودية، ومئات آلاف العمالة الأجنبية والجاليات الغريبة التي تستهلك الموارد.

إن هذه الظاهرة مما تضحك لها الثكلى؛ فأي مصيبة أعظم من أن يتصدق الفقير على الغني، والمبذر على المقتصد، والضعيف على القوي، والمستهلك على المنتج؟وتزداد خطورة الوضع عندما نأخذ بعين الاعتبار محدودية المخزون الاستراتيجي للعراق من المواد الغذائية، والذي لا يكفي سوى لأشهر معدودة، نتيجة ضعف التخطيط وقلة المخازن وانتشار الفساد.

ومع ذلك، اتجهت الحكومة، إلى جانب فئات من الشعب، إلى تقديم مساعدات غذائية إلى عدة دول، مثل غزة ولبنان وسوريا وإيران، حتى وصل الأمر إلى خروج مئات الشاحنات من محافظات تعاني أصلًا من الفقر.

هذا السلوك يطرح تساؤلًا منطقيًّا: كيف يمكن لدولة تعاني من أزمات اقتصادية حادة أن تقدم مساعدات لدول قد تكون أكثر استقرارًا منها؟فالمعروف اقتصاديًّا أن المتبرع ينبغي أن يكون في وضع أقوى من المتلقي، وإلا تحول الفعل الإنساني إلى عبء داخلي.

وهنا يستحضر المثل الشعبي العراقي دلالة عميقة: " اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، في إشارة إلى أولوية الداخل على الخارج.

رابعًا: الحرب والملاحة، عندما يتحول مضيق هرمز إلى خناقلا يمكن فهم تداعيات الحرب على العراق بمعزل عن الموقع الجغرافي الحساس.

فمضيق هرمز، الذي أعلنت إيران فرض حصار عليه، تمر عبره 20 بالمئة من تجارة النفط البحرية العالمية.

وبالنسبة إلى العراق، فإن تأثيره مضاعف:1- من جهة التصدير: تضييق تصدير النفط يهدد الإيرادات التي تمول الموازنة التشغيلية، والتي لا تغطي حاجة البلاد لأكثر من 6 أشهر.

2- من جهة الاستيراد: العراق يستورد معظم احتياجاته الغذائية عبر البحر، وأي تهديد للملاحة يعني تأخر وصول الشحنات أو اضطرارها إلى سلوك طرق أطول وأكثر كلفة، بالإضافة إلى قفزة في تأمين الحرب التي وصلت إلى 1 بالمئة من قيمة السفينة.

النتيجة: حتى لو كان المخزون الاستراتيجي موجودًا، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة سيؤدي إلى استنزاف هذا المخزون، مع تعذر تجديده بالسرعة نفسها وبالكلفة نفسها.

خامسًا: التضامن الجميل مقابل الانتحار البطيءلا أحد ينكر نبل التضامن الإنساني والديني والقومي والمذهبي.

لكن المشكلة أن هذا التضامن تحول في العراق إلى أداة لإفقار الأغلبية باسم الدين أو المقاومة.

فنحن أمام ظاهرة فريدة:1- شعب يخرج من بيته ليتبرع بغذائه، بينما أطفال جيرانه يتضرعون جوعًا.

2- حكومة تسمح بتدفق المساعدات إلى الخارج، بينما الرواتب تتأخر، وسوق العمل مشلول، والأسعار ترتفع، والمخزون الغذائي ينضب.

وقد أكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي أن" البنك المركزي العراقي كان يحول بين 270 و300 مليون دولار يوميًّا لأغراض الاستيرادات من الخارج، وهذا يستنزف كل إيرادات بيع النفط".

فكيف يمكننا، في ظل هذا الاستنزاف، أن نضيف عبئًا إضافيًّا يتمثل في تصدير المواد الغذائية بحجة المساعدات إلى غزة ولبنان وسوريا وإيران؟يقول المثل الشعبي العراقي: " اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، وجاء في الحديث الشريف: " ابدأ بمن تعول".

بل إن الروايات عن أئمة أهل البيت تنهى عن إخراج الحقوق الشرعية من البلد إن كان فيه فقراء ومحتاجون، فكيف بنا نُخرج الغذاء نفسه؟نعم، أكد التراث الإسلامي على مبدأ" الأقربون أولى بالمعروف"، الذي يضع احتياجات المجتمع المحلي في مقدمة الأولويات.

بل إن بعض الروايات الدينية شددت على عدم إخراج الأموال والحقوق من البلد إذا كان فيه محتاجون، وهو ما يعزز فكرة توجيه الموارد نحو الداخل قبل الخارج.

وقد جاء في الحديث الشريف: " لا صدقة وذو رحم محتاج".

سادسًا: ماذا يقول الواقع الميداني في أسواق بغداد؟في جولة ميدانية في سوق الشورجة، أحد أقدم وأكبر الأسواق التجارية في بغداد، يلاحظ المرء تغيرًا واضحًا في أولويات المستهلكين.

إذ يقول حسن البلداوي، تاجر مواد غذائية: " الناس تركز على المواد الأساسية أكثر من قبل، بعض الزبائن يشترون كميات كبيرة خوفًا من ارتفاع الأسعار".

أما عمر عبد الله، تاجر الأجهزة الكهربائية في سوق حي العامرية، فيعترف: " نحن نتابع الأخبار يوميًّا؛ لأن أي تصعيد في المنطقة قد يؤثر على النقل أو الأسعار، لذلك نحاول أن نكون حذرين في الشراء حتى لا نتعرض لخسائر".

هذه الشهادات الميدانية وغيرها ترسم صورة واضحة: مجتمع يعيش حالةً من القلق والترقب، يشتري بكميات أكبر خوفًا من الغلاء، ويقلص نفقاته على السلع غير الضرورية.

وهذا السلوك نفسه، وإن كان مفهومًا نفسيًّا، فإنه يساهم في زيادة الطلب، وبالتالي رفع الأسعار.

سابعًا: من المستفيد الحقيقي من استنزاف العراق؟نصل هنا إلى نقطة حساسة وصادمة: ليست كل حملات التبرع بريئة.

فهناك من يستخدم هذه الموجة الإنسانية لتحقيق مكاسب مالية وسياسية:1- تجار الأزمات الذين يرفعون الأسعار تحت غطاء الحرب.

2- بعض التيارات والأحزاب التي تستقطب المتبرعين لتعزيز نفوذها.

3- بل وحتى بعض رجال الدين والعوائل الدينية المعروفة بالفساد والنصب، والتي تستغل المشاعر الدينية لاستدرار التبرعات.

الكويت، المجاورة للعراق، أصدرت قرارًا يحظر تصدير كل أنواع السلع الغذائية إلى خارج البلاد إلا بموافقة خطية مسبقة من وزير التجارة، وقرارًا آخر بتثبيت أسعار البيع.

وهذا يدل على أن الدول الأخرى تضع مصلحتها الوطنية أولًا، فلماذا لا يفعل العراق الشيء نفسه؟ثامنًا: التداعيات العالمية، والعراق في قلب العاصفةتحذر الأمم المتحدة من أن الحرب الحالية قد تدفع نحو 45 مليون شخص إضافي حول العالم إلى حافة الجوع الحاد.

وفي العراق، التأثير لا يظهر كـ" مجاعة" بسبب الوفرة النفطية النسبية، بل يظهر كـ" تضخم مستورد" ينهك القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود.

والسيناريو الأسوأ: إذا استمرت الحرب، واستمر تقديم المساعدات، وإفراغ المخازن، مع ارتفاع تكاليف الخدمات، وتأخر استلام الرواتب، واضطراب سوق العمل، فضلًا عن وجود مئات الآلاف من العمالة الأجنبية والجاليات الغريبة في العراق، فكيف سيعيش 45 مليون عراقي؟الجواب: لن يعيشوا بكرامة.

وستتحول المدن العراقية إلى بؤر جوع وحرمان وعوز واحتقان اجتماعي.

نعم، إن ما حدث فعليًّا هو سحب كميات كبيرة من السلع والمواد الغذائية من الأسواق والمخازن العراقية لتوجيهها كمساعدات، بالتزامن مع ارتفاع الطلب المحلي، وتراجع الاستيراد بسبب تعطل الإمدادات وإغلاق الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد وانخفاض المخزون الغذائي.

ومع توقف أو تعثر تصدير النفط، وهو المصدر الرئيسي للدخل، وتأخر الرواتب، ووجود أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف سيتمكن نحو 45 مليون عراقي من تأمين قوتهم إذا استمرت هذه السياسات؟إن غياب التخطيط الاستراتيجي، وتراكم الفساد، وسوء إدارة الأزمات، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة.

فلا توجد دولة في العالم تسمح بحرية مطلقة في الأنشطة الاقتصادية إذا كانت تهدد الأمن الغذائي والاستقرار العام.

فالتبرعات غير المنظمة، والاحتكار، ورفع الأسعار، ليست مجرد تصرفات فردية، بل هي ممارسات تؤثر على المجتمع بأسره.

كما أن بعض حملات التبرع، بالرغم من ظاهرها الإنساني، قد تُستغل من قبل جهات معروفة بالفساد أو الاحتيال، مما يفاقم من معاناة المواطنين ويكرّس سياسات الإفقار، بدلًا من تخفيفها.

وعليه، فإن تدخل الحكومة العراقية لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة، لضبط الأسواق، ومنع الاحتكار، وتنظيم التبرعات، وحماية أموال المواطنين، وضمان استقرار الاقتصاد.

كما يتطلب الأمر وعيًا مجتمعيًّا يوازن بين العاطفة والمصلحة الوطنية.

تاسعًا: مطلوب تدخل حكومي صارم وليس ضحكًا على الذقونلا توجد حكومة في العالم تسمح بفوضى اقتصادية كهذه.

فالدولة ملزمة بالتالي:1- ضبط الأسواق عبر فرض التسعيرة وحماية المستهلك، أسوة بالكويت التي ثبّتت الأسعار.

2- منع تصدير أي مادة غذائية أو مساعدات خارجية ما لم يكن هناك فائض واضح بعد تلبية الاحتياج المحلي.

3- محاسبة تجار الأزمات والمحتكرين، وقطع أيدي الفاسدين.

4- إعادة النظر في سياسات الضرائب والرسوم الحكومية لتخفيف الأعباء عن المواطن، لا زيادتها في وقت الأزمات.

في معظم دول العالم، عند إعلان حالة الطوارئ أو الحرب، تُفعّل قوانين تجيز للحكومة التحكم في الأسعار والمواد الاستراتيجية ومنع التصدير.

أما في العراق، فالكارثة أن الحكومة إما غائبة أو متواطئة.

خاتمة: كفى تضامنًا على حساب مصلحة الوطن والمواطنإن الحفاظ على قوت الأغلبية والأمة العراقية من أهم واجبات الساسة والقادة والحكومة العراقية، والعمل على ديمومة الاستقرار الاقتصادي والعيش الكريم وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة يعتبر من أهم المسؤوليات الحكومية والعامة التي يجب أن يتكاتف الجميع من أجل إنجازها.

نعم، قلناها ولن نملّ من قولها: التضامن الإنساني والديني والمذهبي شعور نبيل وموقف مشرف، لكنه يجب أن يكون في موضعه الصحيح، وألا يتقاطع مع مصلحة الوطن والمواطن.

فالعراق اليوم بأمسّ الحاجة إلى توجيه موارده وجهود أبنائه نحو الداخل، لضمان بقاء الدولة وصمود المجتمع في وجه الأزمات المتلاحقة.

فالتضامن الإنساني العام ليس بديلًا عن المسؤولية الوطنية.

فالعراق أولى بجهود أبنائه من أي بلد آخر.

وإذا استمر الحال على هذا المنوال، فسوف نصحو يومًا على مشهد لا يُطاق: شعب عراقي يلهث خلف رغيف الخبز، بينما من تبرع لهم يعيشون في أمان واستقرار.

والخلاصة: " إن الأقربون أولى بالمعروف"، وهذا المعروف يبدأ من تأمين الخبز قبل المجد، ومن سد جوع أصحاب الدار قبل التغني ببطولات الغير.

فالأحمق هو الذي لا يميز بين المهم والأهم، والذي يقدم الواجب على الأوجب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك